‏إظهار الرسائل ذات التسميات معتقلين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معتقلين. إظهار كافة الرسائل

المجلس القومي لحقوق الأي كلام


رسم أشرف "الاشتراكيون الثوريون"

في ذكرى رحيل سيف المظلومين "أحمد سيف الإسلام حمد" سمعت كلمة مسجلة لابنه المعتقل "علاء عبد الفتاح" يحكى فيها أن والده كان مُصِرًا أن يحكى للناس عن فترة اعتقاله وتعذيبه حتى يعلم الناس ما يحدث خلف تلك الجدران.
وهذا ما دعاني للكتابة عن تجربتى مع زيارة المجلس القومي لحقوق الإنسان حتى يعلم الناس ما يدور فى السجون قبل الزيارة..
رأينا فى فيديو زيارة المجلس القومي لحقوق الإنسان لسجن العقرب تمثيلية زائفة، حيث المشويات، والوجبات الفاخرة، والأدوية، وكافيتريا لا توجد إلا فى الأحياء الراقية. أما المدعو حافظ أبو سعدة، فقد تذوق الطعام وتكيّف كمن شرب آخر نفس فى سيجارة حشيش. وظهرت على وجهه علامات الرضى والإعجاب ولسان حاله يقول: السجون حلوة أوى يا خال. أمال فين الناس اللي بتتعذب؟!
ورأينا سجناء جنائيين يرتدون زىّ المطبخ عشان اسم الله عليه "حافظ" ميزعلشِ ويشتكي من عدم ارتداء حفاظة المطبخ الصحية. خوفًا على صحة نزلاء فنادق الداخلية.
فى مصطلحات أبناء جيلنا الذى شاب فى شبابه يُطلَق على هذا النوع من التعريض كلمة "هري" وهذا هو الهري بعينه.
إليكم ما يحدث:
1- الزيارة لا تكون مفاجأة، ففي مارس الماضي استدعاني رئيس مباحث سجن أبى زعبل ليخبرني بزيارة المجلس القومي لحقوق الإنسان، المفاجأة قبل الزيارة بحوالي 7 أيام، وأعتقد أنه كان يعلم ميعاد الزيارة قبل أن يعلمها المجلس القومى نفسه. اعمل نفسك متفاجئ وخلاص!


2- المعتقل الذي تسمح له وزارة الداخلية بالحديث مع المجلس القومي فى الغالب قد تعرض للتهديد حتى لا يحكي أى سلبيات، فقد تعرضت للتهديد فى مكتب رئيس المباحث، وقيل لى بالحرف الواحد أنهم سيلفقون لي قضايا أخرى لو تحدثت عن الانتهاكات التى حدثت داخل السجن.


3- أسبوع قبل الزيارة كافي جدًا لترتيب الأمور وجعل كل شئ على ما يرام، ففي يوم الزيارة كان ملعب السجن الذى لا نراه إلا أثناء ذهابنا لمقر المحاكمة قد جهزته الداخلية بشكل جيد ليقولوا أن هذا ملعب للمساجين، مع أنه ليس إلا ساحة انتظار جلسات المحاكمات أو الزيارة، كما أحضروا افطارًا وغذاءً، وهذا لا يحدث فى الأيام العادية، فكنا لا نحصل إلا على وجبة واحدة يوميًا، ولكن فى هذا اليوم الاستثنائي استلمت كل زنزانة نحو 10 علب جبنة وكان لا يسمح لنا سوى بثلاثة علب جبنة فى زنزانة عددها 40 شخص، بالإضافة إلى اللحمة والخضار والأرز والخبز الذى تم تجهيزهم بأعلى مستوى، بعدما كنا نغسل فول السجن بالماء قبل أكله حتى نحاول التخلص من السوس وبعدما كان العدس يمتلئ بالحشرات والخبز يمتزج بالزلط!


4- أما الأدوية فكانت ممنوع دخولها فى الزيارات كما أنه غير مسموح بدخول 90% من الطعام فلا يغرنك شكل المشويات التى تكيّف منها حافظ أبو سعدة، فما زلت أذكر أن كافيتريا السجن قد أغلقت فى وجه العنبر السياسى شهرًا كاملًا من أجل إذلال السياسيين، وحتى عندما فتحت كانوا يفرغون علب التونة فى أكياس بدعوى أننا نستخدم غطاء التونة كسلاح! وكانوا يتفننون فى إيذائنا.


5- الصحافة التي ترافق المجلس داخل السجون تأتمر بأمر الداخلية، ففي زيارة المجلس القومي كنت أشعر أننى نجم هوليوود من كثافة كاميرات الصحافة، ولكن مع هذا لا يمكن أن تجد فيديو واحد لهذه الزيارة قد تم نشره لأنى لم أقل ما يعجبهم، فأعتقد أني نجحت فى فضح جرائمهم. وهذا ما لا يريدوه وبالتالي لم يجرؤ أى مخلوق على نشر فيديو لهذه الزيارة على عكس ما حدث فى زيارة سجن العقرب.


6- لا أعتقد أن كل الناس يستطيعون التحدث فى وجه جلاديهم: فأثناء زيارتي التى انعقدت بمكتب مأمور السجن كانت قيادات الداخلية قد احتشدت فى المكتب بشكل مبالغ فيه، حتى أن الأستاذة راجية عمران والأستاذ جورج إسحاق والدكتور صلاح سلام والأستاذ محمد عبدالقدوس طلبوا من قيادات الداخلية الانسحاب من المكان ولكنهم رفضوا. وأصروا على أن أتحدث فى وجوهم، والحمد لله قلت للأعور أنت أعور فى وجهه. ولكن هناك من لا يمكنه أن يتجاوز هذا الحاجز.


7- المجلس لا يرى إلا ما تسمح به وزارة الداخلية: فقد طلبت من المجلس أن يستدعي الطالب علي قاعود الذي تعرض للتعذيب بشكل بشع، وعندما طلبوا ذلك ادّعت الداخلية أنها لا تعرف مكان الطالب، وقالوا أن جهاز الكمبيوتر قد تعرض لعطل لذا لا يمكن معرفة مكانه، بالإضافة إلى طلبي لهم بأن يطّلعوا على زنزانة التأديب، وأن ينقلوا للناس ما رأوه ولكنها كانت أحلام اليقظة، فأحد قيادات الداخلية قد انفعل وقال للمجلس: مش هتشوفوا التأديب لأنكم مجبتوش تصريح.
كما أن الأستاذة راجية عمران وقتها أخبرتني بأن الداخلية رفضت دخولها العنبر السياسي وسألتنى ماذا يجرى هناك؟! فأخبرتها بالتجهيزات التي أعدوها للزيارة.
8- رغم أن المجلس القومى لحقوق الإنسان رأى أثر الانتهاكات بعينه، إلا أن الطب الشرعي والنيابة قد انحازا للداخلية، فأصدر كل من الطب الشرعى والنيابة وقتها بيانان يفيدان بعدم وجود أى انتهاكات داخل سجن أبو زعبل، وأؤكد لكم أن هذان البيانان قد كُتبا دون تحقيق أو كشف على أى معتقل، فالنيابة لم تحقق والطب الشرعي لم يكشف على أحد.
9- لا يستفيد السجناء من زيارة المجلس القومي لحقوق الإنسان سوى يوم واحد من الدلع، كما أنه ليس دلع بنفس الدرجة التي يظهر بها الفنان الكوميدي حافظ أبوسعدة فى أفلامه، فأعتقد أن هذا الرجل لا يقدر على النوم فى غرفة بها أكثر من 40 شخص على البلاط، وأعتقد أنه ربما يصاب بالصرع إن دخل زنزانة التأذيب ساعة واحدة. وأعتقد أنه سيبكي كالطفل إذا دخل عليه ملثمون فى الشتاء وجردوه من ملابسه وأغطيته الشتوية كما يحدث فى السجون بشكل دورى فيما يعرف بـ "حملة التجريد".


***
"ما أشد برائتنا حين نظن أن القانون وعاء للعدل والحق، القانون هنا وعاء لرغبة الحاكم، أو بدلة يفصلها على قياسه".. محمود درويش

"ما أشد برائتنا حين نظن أن حافظ أبوسعدة وعاء للعدل والحق، فحافظ هنا وعاء للحاكم، أو بدلة يفصلها على قياسه".. أحمد جمال زيادة

التعذيب ليس مجانًا




رسم: كارلوس لاتوف

مصر العربية


(1)
لم يشارك فى الثورة من أجل أن تسيل الدماء، وأن يعود العسكر للحكم من جديد، ويعود اعتقال المعارضين، وأن يمنعوا التظاهر، فأراد أن يثبت وجوده أمام الدولة العميقة والعقيمة، وأن يوصل رسالته ويعترض؛ كما اعترض سابقًا في أثناء الحكم المباركي، وكما اعترض في أثناء حكم المجلس العسكرى، وكما اعترض في أثناء حكم محمد مرسي؛ رفع لافتة مكتوب عليها "لا لقانون منع التظاهر، لا للمحاكمات العسكرية للمدنين".. لم يفكر أبدًا فب استخدام العنف في أقل صوره، فقرر أعداء الثورة وأعداء التظاهر اعتقاله وتعذيبه وحبسه في السجن سنوات بدعوى خرق قانون التظاهر، وبدعوى أن هيبة الدولة يجب أن تبقى فوق الجميع، وحتى لا تحزن "هيبة" حكموا عليه بالسجن المشدد 5 سنوات والمراقبة الأمنية مثلها والغرامة 100 ألف جنيه، ففرحت "هيبة" ونظرت بكبرياء لذلك الفتى الذى هددها واتخذ من السلمية سلاحًا لمواجهة القمع.
(2)
حلم أن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فُتوّة يتوسل إليه الناس، يحصل على الرشوة من هذا ويتوسط من أجل ذاك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء، وأخيرًا تحقق حلمه وصار "أمين شرطة" بفضل دعاء الوالدين لأحد قيادات الداخلية؛ هوايته "التعذيب" لا يتخيل أن يمر يومًا من دون أن يعذب أي مخلوق، فداء لله والوطن وللباشا "اللي أكبر منه" دائمًا يتقرب إلى الباشا "اللى أكبر منه" باعتقال واختطاف الناس من الشوارع؛ وبإذلال أهالي المعتقلين؛ هو لا يحتاج نقودًا فكل شئ متوفر في السجن بالمجان، وعدد المساجين الذين يدفعون الإتاوة من أجل العيش في زنزانة ليست مزدحمة كفيل بأن يجعله مليونير، بالإضافة إلى المصالح التى يقضيها للناس بعد دفع الواجب.
هو ليس سيد بنفس الدرجة التى وصل إليها سيده الضابط الذي وقف على منصة كلية الشرطة في أثناء تخرجه من الكلية يقول بكل فشخرة "اللي تتمد إيده على سيده تتقطع إيده" معتبرًا نفسه سيدًا على الشعب لا خادمًا له بمجرد وقوفه على منصة التخرج من كلية الشرطة، فهو سيد على كل من أدنى منه حتى أمين الشرطة نفسه، لذا يحاول أمين الشرطة أن يعوض هذا النقص وأن يطلع عين أم المواطن بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وفي الفيديو الذى انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي في مترو الأنفاق يضرب شابًا عشرينيًا حاول تحرير محضر ضد أحد المتحرشين بخطيبته، نلاحظ هذا النقص وهو ينظر إلى الصامتين والصامتات الأحياء منهم والأموات ممن يشاهدون الفتى وهو يتعذب ويهان دون أي رد فعل من أناس اعتادوا على رؤية هذه المشاهد يوميًا، فيهتف فيهم أمين الشرطة محذرًا: فيه إيه يا ولاد العاهرة؟!
(3)
في سيارة الترحيلات، يجلس الشاب الذى قرر أن يتظاهر، والذي في الغالب سيضيع مستقبله، سيحكم عليه ب 3 سنوات، أو 5، أو 7، ولو استطاعوا اعدامه لفعلوا، ولو قدروا على قتله من التعذيب لقتلوه، ينظر له أمين الشرطة ويسأله ساخرًا: وانت بقى كنت بتتظاهر ليه؟ واخد فلوس من الإخوان؟! أصل متحاولش تقنعني إنك بتعمل كده لله يعني؛ المظاهرات دي بتهدم الدولة يبقى إنت أكيد مش بتعمل كده من نفسك وأكيد وراك حد بيحركك!
يحاول الفتى أن يصحح له الخطأ، وأن يوضح له أن التظاهر ليس جريمة، وأنه لم يتظاهر من أجل نفسه فقط، بل من أجل الجميع، ولكن أمين الشرطة لا يصدقه لأنه لم يعرف فى حياته معنى "من أجل الجميع"، وعندما تصل سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة يبدأ أمين الشرطة في ممارسة هوايته المفضلة -التعذيب- ويحاول أن يجبر الفتى على الاعتراف؛ فيعترف الفتى بجريمة لم يرتكبها.
(4)
يتصل به أحد زملائه من أمناء الشرطة.
- بقولك إيه، سيب التعذيب اللى فى إيدك وتعالى بسرعة.
= لا دأنا مقدرش أسيب اللحظة المهمة دى.
- طيب خلص وتعالى عشان عندنا مظاهرة.
= عندما يسمع كلمة "مظاهرة" يبتهج، فهوايته الأخرى قمع التظاهرات، ولكنه يفاجأ عندما يعلم أنه يقصد أن أمناء الشرطة هم من سيتظاهرون.
- انت بتهزر؟ احنا اللى هنتظاهر؟ إنت إخوان ولا إيه؟!
= أيوة احنا بقالنا أد إيه مبناخدش مرتباتنا؛ هو إحنا هنعذب الناس ونبلطج عليهم، ونخطفهم من البيوت ببلاش؟! التعذيب مش ببلاش.
- عندك حق، أنا إيدى وقفت من كتر التعذيب.
(5)
"الحرية لكل سجين. هاتوا إخواتنا من الزنازين"
كان هذا هتاف المظاهرة التي خرجت تطالب بالإفراج عمن تظاهروا ضد عودة القمع، شارك فيها أهالي وأصدقاء المعتقلين، ولكن الشرطة تعاملت معهم بقسوة وفرقتهم بالخرطوش والغاز وأصابت العديد منهم بالرصاص الحي، واعتقلت منهم أعداد كبيرة، حتى أنهم لم يفرقوا بين الشباب والبنات في موجة الاعتقالات. وهكذا كلما رأينا مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين تعتقل الشرطة أغلب من فيها.
(6)
اقتحم نحو 2000 من أمناء الشرطة مديرية أمن الشرقية، وأتلفوا المكاتب ومنعوا وصول المسؤلين مكاتبهم وهتفوا ضد وزير الداخلية: "ارحل بقى ياعم خلى عندك دم" الهتاف الذى من أجله اتهم شباب الثورة بالعمالة والخيانة ونشر الفوضى، وطالبوا بالمساواة بينهم وبين الضباط فى كل شئ، وخاصة فى بدل المخاطر والعلاج فى المستشفيات، طالبوا أن يصيروا أسيادًا فى نفس درجة أسيادهم، لأنه لا فرق بينهم فى المجهود، فالجميع يقتل ويخطف ويعذب ويعتقل، فلماذا لا يوجد عدل بينهم؟!
هتف أعداء الهتاف، وتظاهر من يقمع التظاهرات، ونجحوا فى الاعتصام، بل واقتحموا مقرًا حكوميًا، ولم يجدوا وسيلة أخرى من أجل رفع كفاءتهم في التعذيب والبلطجة سوى التظاهر، ولكن الشرطة لم تتعامل معهم كما تتعامل مع أى متظاهر آخر، لأنهم فى النهاية  شاربين ساحلين ضاربين معذبين مبلطجين مع بعض.
(7)
يجلس مع رفاقه فى الزنزانة التي سيقضي بها سنوات ويلقي أبياتًا يحفظها كما يحفظ اسمه:
يا عم الظابط انت كداب
واللي باعتك كداب
مش بالذل حاشوفكم غير
ولا استرجى منكم خير
انتم كلاب الحاكم
واحنا الطير
انتم التوجيه وإحنا السيل
انتم لصوص القوت
واحنا بنبنى بيوت
احنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت
احنا شعبين ..شعبين ..شعبين
الأبيات لعبد الرحمن الأبنوى من قصيدة: الأحزان العادية

في قسم الشرطة.. التعذيب للجميع

التعذيب للجميع (الجزيرة)
العربي الجديد

عندما تدخل قسم ثان مدينة نصر لا بد أن تسمع أصواتا تصرخ، و أخرى تتوسل إلى من يعذبها بأن يفعل بها ما يشاء ولكن (بلاش الكهربا) وأصواتا تسب وتلعن، يحدث هذا بشكل علني وكأنه شئ طبيعي، فلا بد أن أى محام أو صحافي دخل قسم ثان مدينة نصر قد سمع تلك الأصوات ولكن هل يجرؤ على أن يقول ما رآه أو سمعه؟!
كانت الكاميرا التي ضبطوني بها تزعج كل ضباط القسم، فما أن يراها ضابط إلا ويصب غضبه على وعلى الكاميرا. حينها تساءلت: ماذا لو ضبطوني بسلاح؟!


صعدت إلى الدور الثاني فى مكان يسمى (الثلاجة) ما زلت أذكر الدماء التي كانت على الجدران وقتها، مشهد يذكرك بالأفلام، ولكنها للأسف لم تكن أفلام. وقفنا أنا وأربعة طلاب ثم ازداد عددنا حتى وصل إلى 62 طالباً و14 طالبة.
جاء الزميل "أحمد سامح" مصور اليوم السابع حتى يلتقط لنا صورا بالتأكيد ستنشرها الجريدة على أننا إرهابيين، نظرت إلى الكاميرا وضحكت ( أليس هذا زميلى؟! ربما لم يرانى)
بعدها رأيت الطالبة "آيات حمادة" يسبها أحد الضباط لأنها طلبت أن تدخل إحدى زميلاتها دورة المياه. أتذكر أنه قال لها: لسنا فى مدرسة يا روح أمك!
أما عبد الرحمن الطيب البالغ من العمر 32 عاما والذي أصر على إكمال دراسته فكان طالبا بالفرقة الرابعة بكلية تجارة الأزهر، وعندما اعتقل بشكل عشوائى  كان معه مبلغ 500 جنيه سرقه منه أحد أمناء الشرطة، ولكنه أصر على أن يسأل كل فترة عن ال 500 جنيه ومصيرها  لأنه لا يملك سواها وسيشتري بها دواء لإبنته (كان يظن أنه سيعود إليها ولكنه حكم عليه بالسجن 5 سنوات ومثلها مراقبة أمنية) وقتها لم يرحمه أحد الضباط الذى ظل يصعقه بالعصا الكهربائية وهو يسأله: هل ترانا لصوصا يا إبن العاهرة؟!

أما "عمرو عبد العال، وعدى كمال، وأسامة زيد رئيس اتحاد كلية تجارة" فقد قتلت الشرطة رفيقهم "خالد الحداد" طالب الفرقة الثالثة بكلية تجارة، الذي كان وقتها يعيش معهم فى نفس المسكن، وعلموا أنه بمستشفى قريبة من الجامعة فقرروا الذهاب إليه ولكن الشرطة اعتقلتهم من أمام الجامعة، قبل أن يتمكنوا من رؤية زميلهم وهو يلتقط آخر أنفاسه، ونالوا أكبر كم من التعذيب عندما علمت الداخلية أن "أسامة زيد" رئيسا لإتحاد كلية التجارة بجامعة الأزهر.

أمرنا أحد الضباط الذي كان يشعر بالملل على حد قوله بأن نقف صفين. ففعلنا، مرّ بيننا ينظر إلى وجوهنا بغيظ وعندما كان يشير إلى أحدهم قائلا: هذا الولد ابن عاهرة. كانت الجنود  تنهال عليه ضربا . ثم يأتي الدور على طالب آخر!
بعدها وثقوا أيدينا بالكلابشات الحديد كل إثنين معا، وأجلسونا على الأرض إلى آخر الليل وكانت الأعداد تتزايد حتى  العاشرة مساء تقريبا. مع أن الاشتباكات كانت فى الصباح.
ثم أمرنا أحد الضباط بالوقوف فى مكان ضيق للغاية وأن نضع وجوهنا فى وجه الحائط وأن نلتصق ببعضنا البعض، حتى صرنا كالجسد الواحد وأن نقف فى حيز ضيق من المستحيل أن يتسع لهذا العدد ، وأمسك عصاه يضرب بها من هم فى آخر الصفوف فيضغطون بقوة على من يقف فى وجه الحائط،  فمن فى وجه الحائط يختنق من التدافع ومن فى الخلف يتألم من ضرب العصا. ومن فى المنتصف أحيانا يُضرب بالعصا وأحيانا أخرى يُضرب من زملائه الذين يحاولون الهرب من العصا.
أثناء حفلة التعذيب  إنضم إلينا الطالب "مراد عبدالحميد مراد" البالغ من العمر 17 عاماً وكان جسده ضخم، مما أغرى الضابط بأن يكمل سهرته  مع مراد، فأمرنا ألا نتحرك، وعندما كان يحاول أحدهم الإعتدال كان يضرب مراد بالعصا والقدم ويقول ساخرا، قلت لكم لا تتحركوا، وهكذا قضينا باقي الليلة نشاهد مراد يتعذب وهو غير مصدق لما يحدث، إلى أن جاءت سيارة الترحيلات أنقذتنا من عذاب وقادتنا لعذاب آخر.

الغريب أن الداخلية  كانت تعلم أن 90 % من هؤلاء الطلاب لم يرتكبوا جرما. ولكنها  أصرت على تعذيبهم وعلى ضياع مستقبلهم، ولا أجد هنا أى فرق  بين الداخلية و داعش فى الإرهاب، فالاثنان يعذبان ويقتلان من لا علاقة له بالصراع، حتى يتعظ من له علاقة بالصراع!

عيدهم فى السجن


مصر العربية



بين أربعة جدران يجلسون، ينتظرون ويشتمنون رؤية شئ مختلف، أو سماع أصوات تذكرهم بأيامٍ لم تفارق مخيلتهم، ولكن لا جديد سوى أنه لا جديد، نفس الوجوه والأصوات، نفس القضبان..


نفس الرفيق الذى يقول دائمًا: "تخيل يا صديقى أننا يوماً كنا طلقاء، نمضى فى الشوارع بلا مواعيد، نتنفس الهواء بحرية، نرى الشمس بلا حواجز، نجلس أمام البحر، نرى أحبابنا، ننام على فراش يكفى لخمسة مساجين".. هكذا تكون الحكايات هناك, خلف القضبان.


* نحن نحلم بالحصول على وظيفة جيدة، ورحلة ممتعة، ونحتمى من حرارة الشمس، وهم تتلخص أمانيهم فى الحصول على تريض ساعة واحدة فى ممر كئيب لا يراه الشمس، تمنع إدارة السجن هذا التريض لدواع أمنية، أو لسوء الأحوال الجوية، أو لأن بعض الحقوقيين نظموا مظاهرة فى القطب الشمالى للتضامن مع المعتقلين.


نحن يزعجنا صوت التلفاز العالى أثناء النوم، وهم يزعجهم صوت عساكر الأمن اللذين جاءوا لتفتيش الزنزانة أو لسرقة محتوايتها بعد الفجر، ففى أكثر الأحيان يتحول التفتيش إلى (تقفيش) وانتهاكات وإهانات، ودائما هناك خسائر فى صفوف المعتقلين، أقلّها دخول زنزانة التأديب.


* نحن نمل القراءة ونجعل من الكتب زينة فى مكتبة، ونستغنى عن الجرائد لوجود الإنترنت، ونفكر فى تغيير الفراش واستبداله بآخر يجعلنا نشعر بالراحة، تفكر فى الابتعاد عن البيت قليلاً وعدم رؤية أبيك وأمك لفترة ما، وهم تتلخص أمانيهم فى قراءة كتاب، جرنال، سماع الراديو، ولا مانع من النوم على برش الزنزانة، ولكن الحصول على شبرين للنوم حلم يصعب تحقيقه، يتمنون أن تتخطى الزيارة 20 دقيقة حتى يتمكنوا من رؤوية ذويهم.
أما فى الأعياد:
* نحب الأجازات والأعياد.. نتمنى استمرارها لأنها فرصة لراحة البال، فى السجون يبغض المعتقلين كل الأجازت، ولا سيما الأعياد، ويتمنون أن تمضى الأيام سريعا، كى تأتى الأيام العادية، لأن الداخلية تحتفل بالمعتقلين على طريقتها، فتغلق الزنازين من يوم الوقفة إلى آخر أيام العيد، وتمنع التريض فى الممر الكئيب، فيصير الممر هذا حلماً كأنه الجنة، دعك من التصريحات الإعلامية الكاذبة ولوائح السجون التى بالطبع لا تطبقها وزارة الداخلية، فهذا هو الحال.
* أنت دائمًا تسمع أن مصلحة السجون تعلن عن زيارات استثنائية للمعتقلين بمناسبة العيد، لكن دعنى أخبرك بأن الزيارة الاستثنائية لا تتخطى عشرة دقائق، وربما يطول انتظار ذوي المعتقل من الصباح إلى المساء، بدعوى أن الأعداد كبيرة، والدخول إلى قاعة الزيارة فى وقت مبكر حسب ما ستدفعه من رشاوي، لذا تجد زيارات تجار المخدارت والسلاح أطول بكثير من زيارات السياسين، كما أنهم لا ينتظرون وقتاً طويلاً. فهناك فرق كبير بينك وبينهم.. أنت سياسى، وهم قتلة وتجار مخدرات!


*جميلة هى أصوات المساجد عندما تكبر" الله أكبر الله أكبر والله الحمد" تجعل السعادة تتسرب إلى نفوسنا، أما صلاة العيد فى الساحات، وإعطاء الهدايا للأطفال. ومشاهدة مسرحية المشاغبين وشاهد مشافش حاجة. هى أشياء ممتعة برغم أننا نفعلها كل عيد، لكن فكرة أن يتخلى ذويك عن صلاة العيد من أجل أن ينتظروا رؤيتك أمام أبواب السجون منذ الصباح ليخففون عنك بعض همومك، كفيلة بإماتتك حزنًا، فيجب أن تدفن حزنك داخلك وتبتسم.


يصلى المعتقلون صلاة العيد بين أربعة جدران، يبتسمون وفى داخلهم جرح لا نهاية له، ينظرون إلى أبواب الزنازين وهى تُفتح فى صباح العيد دقيقةً واحدة من أجل إدخال التعيين والجراية (الطعام والخبز) وربما يتحايل أحد المساجين على الحرس حتى يعلق ملابسه المغسولة خارج الزنزانة لأن الزنزانة مزدحمة، فيرضى الحرس أو لا يرضى.


ترى الحرس يتحايلون عليك كأنك سائح ويطلبون سجائر العيد أو بعض الطعام أو المشاريب التى خزنتها للضرورة (كل سنة وانت طيب يا أستاذ أحمد مفيش حاجة ولا إيه؟) وفى أصواتهم تلاحظ التحذير (مش هنفتح الزنزانة بعد العيد لو مجبتش حاجة).. تشعر بالغضب عندما ترى من يتحكمون فيك لا يفكرون إلا فى بطونهم، ولكن لا تتهور، فإن دخلت التأديب ستحرم من الزيارة شهرًا كاملًا.


عندما تنقضى صلاة العيد ينام الجميع كما الموتى، إنه الهروب من الواقع.
***
قال لى أحد رفاقي فى الزنزانة: تعرف إن العيال اللى بتغنى ورا صفاء أبو السعود فى أغنية العيد فرحة مش مصدقين إن العيد فرحة؟!


- إزاى يا فيلسوف؟!


- عشان هى بتقول العيد فرحة وهما بيقولوا (يا سلام).. يا سلام هنا زى يا سلام لما حد يكذب وانت ترد ومش مصدق (يا سلام)، وأجمل فرحة. يا سلااااااااااام.


لكن دائما هناك أشياء تلهيك عن الحزن، ما زلت أذكر صوت الرفيق "ياسين صبرى" من الزنزانة المجاورة لزنزانتى وهو يغنى (اطلق كلابك فى الشوارع. واقفل زنازينك علينا) فيتحول العنبر إلى ساحة غناء، ويصيح الحرس ليأمرونا بالسكوت، ولكن عندما يبدأ الغناء فمن يستطيع أن يجعلنا نصمت؟!

أشعار تقال، ومسرحيات صوتية، وتقليد لأصوات الحيوانات بشكل مضحك، ومبكى.