‏إظهار الرسائل ذات التسميات تظاهر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تظاهر. إظهار كافة الرسائل

براء وياسين وإسلام



ياسين
كنا معًا خلف جدران زنزانة واحدة، اقتسمنا القهوة، وتحدثنا عن الثورة والحب والتاريخ، كان يقرأ ما أكتبه وكنت أقرأ ما يكتبه، كنا نغني فى الحزن قبل الفرح، ولكننا افترقنا دون قصد، أطلقوا سراحي وحكموا عليه بالسجن 5 سنوات ثم 3 سنوات و4 مراقبة.
عن "ياسين صبرى" أكتب.
قررت أن أتقمص دور الزائر مع أنني مازلت أشعر بالاعتقال، وقررت زيارة ياسين بسجن وادي النطرون، فاستيقظت فى السادسة صباحًا، وقابلت شقيقه ووالدته فى الثامنة ونصف تقريبًا، وصلنا إلى سجن وادى النطرون فى التاسعة ونصف، وانتظرنا خارج أسوار السجن نحو 7 ساعات، فى أماكن غير آدمية، لا أعلم إن كان حافظ أبو سعدة قد رآها أم لا، وحتى لو رآها فما الذي يمكن أن يفعله، جلسنا 6 ساعات فى الصحراء فى مكان صغير جدًا وهو المكان الوحيد الذي يمكن أن تحتمي به من الشمس، إذا نظرت له من بعيد ستعتقد أن الأجساد قد ارتصت بعضها فوق بعض حتى تظن أنها جسد واحد، المقاعد قليلة جدًا والسيدات جالسات على الأرض، والزبالة منتشرة فى كل مكان حتى أنني رأيتها فى هيئة أمناء شرطة يتحرشون بالأهالي، لا أدري كيف لم يقترح السيد حافظ أبو سعدة توسيع هذا المكان والاستغناء عن جزء صغير من الصحراء حتى يتسع لكل هذا العدد.
أثناء تفتيشنا كان معي بعض الكتب التى يحبها ياسين، ولكن ضابط المباحث سألني عن تهمة ياسين قبل دخول الكتب، فقلت أنه متهم بالتظاهر، فقال: تظاهر يبقى ممنوع الكتب! حاولنا أن ندخل مجلات ميكي، فقال ولا ميكى ولا بيكي. نظرت له ولسان حالي يقول: فاشلون حتى فى خفة الظل.
من الأشياء الخطرة على الأمن القومي، الشوكولاتة والخبز والعلاج والخضروات والفاكهة والمعلبات بجميع أنواعها، لذا لا يسمح بدخولها للمعتقلين. وهذا نظام تطبقه كل السجون، وأى حافظ أبوسعدة يوهمك بغير هذا فهو كذاب.
رأيت ياسين واحتضنته كما لم أحتضنه من قبل. بللت دموعي كتفه ولكني كنت أضحك من قلبي، شعرت بأن الشيخ إمام يغني لي فى نفس الوقت:
"أنا رحت القلعة وشفت ياسين
حواليه العسكر  والزنازين
والشوم والبوم وكلاب الروم
ياخسارة يا أزهار البساتين
عيطى يا بهية على القوانين"


كنت ألاحظ نظرات أمه التي لم تنظر لغيره طوال الـ 20 دقيقة - وقت الزيارة الحقيقي والذي يجب أن يكون ساعة حسب لوائح السجون - كانت تحاول أن تشبع منه، ولكنها لم تنجح فى ذلك. كانت تقول له أنه اقترب على إتمام العامين فى السجن وأنه ربما يخرج قبل ثلثي المدة أو يحصل على عفو فى العيد، كانت تتعلق بالأمل، ولكن الأمل فى بلادي قد تحول إلى ألم.
بعد انتهاء الزيارة جلسنا خارج أسوار الزيارة حوالى ساعتين ونصف، ولا أعلم السبب سوى أنه يجب أن ننتظر حتى يأتي ضابط المباحث.
إسلام
شعرت بالتعب المميت بعد زيارة ياسين وتساءلت كيف حال أمه؟ وكيف حال أمهات آلاف المعتقلين؟! ولكني حمدت الله أنه موجود وأن أهله يستطيعون زيارته، للأسف وصل بنا الحال أن نحمد الله على أننا نستطيع رؤية أحبابنا مرة كل 15 يومًا.
وتذكرت وقتها "إسلام خليل" الذي اعتقلته قوات الأمن من منزله واعتقلت أيضا شقيقه ووالده يوم 24- 5-2015 الماضي، واحتجزتهم فى أماكن غير معلومة ثم أطلقت سراح شقيقه ووالده بعدما تعرضا للتعذيب، ولكن إسلام لم يعد إلى الآن، ولا يعلم مكانه إلا الله وأمن الدولة!
107  أيام احتجاز فى مكان غير معلوم مع أن المادة 54 من الدستور تنص على أنه يجب أن يبلّغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال 24 ساعة من وقت تقييد حريته.
تلك المادة كتبت فى دستورهم، ولكن حالة إسلام خليل قد محت هذه المادة من الدستور وحولتها إلى: يجب ألا يعلم كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويجب تعذيبه على الوجه الصحيح، ولا يمكن لذويه أو محاميه معرفة مكانه، ولا داعى أن يقدم إلى سلطة التحقيق لأن أمن الدولة ستقوم بالواجب!
107 أيام اعتقال فى مكان معلوم شيء مؤلم ومريب، فكيف لمن تم إخفاؤه فى مكان غير معلوم كل هذه الفترة؟!
تساؤلات كثيرة تجول بخاطر كل من يتابع قضية إسلام:
هل تعرض للتعذيب بشكل بشع مما اضطر الداخلية ألا تفصح عن مكان احتجازه خوفًا من الفضيحة التى قد يتسبب فيها؟! أم أنه ما زال يتعذب؟! هل قتلوه كما قتلوا إسلام عطيتو؟!
كلها تساؤلات مطروحة، وللأسف الشيء الوحيد المؤكد أن إسلام قد تعرض للتعذيب، فلا يمكن إخفاؤه كل هذه الفترة دون أن يتعرض للتعذيب.
ولا أدرى كيف لم ينظر المجلس الذي يطلق عليه "القومي لحقوق الإنسان" لإسلام خليل، وكيف لم يتساءل عنه وعن مئات الحالات المتشابهة لحالته. قبل أن ينفى وجود تعذيب؟!
براء
بعد انتهاء زيارة ياسين وأمام البوابة الخارجية استلمت هاتفى، وفتحته، وأول ما رأيت كان خبرًا بعنوان "وفاة الكاتب براء أشرف".. كنت أظنه مقالًا ساخرًا كتبه بنفسه، ربما يقصد به اعتزال الكتابة بعدما صارت بلا جدوى، ولكنه لم يكن كذلك، لم يكن براء أشرف ساخرًا كعادته، كان جادًا، مات وهو فى الثلاثين من عمره، وعلى المستوى الشخصي علمني درسًا لن أنساه أبدًا، وهو أننا سنموت قريبًا جدًا، مهما طال العمر فقد اقترب ميعاد الرحيل.
لا يمكن الفرار من الرحيل مهما ازدادت حاشيتك ومهما كثر عدد أنصارك، ومهما كبر موكبك وتضخم، كما أن كثرة الأموال لا تطيل العمر دقيقة واحدة، سنموت قريبًا، ولا يمكننا اختيار ميعاد الموت، ولكن يمكننا أن نموت كما نريد، منا من سيموت بعدما نافق الحكام ومنا من سيموت وقد نطق بالحق فى وجوههم وقال لهم أنتم ظالمون.
منا من سيموت صامتًا، ومنا من سيموت شامتًا أو ظالمًا، أما أنا فقد قررت أن أموت كما مات براء أشرف، لا أعلم متى أموت ولكن أظن أنني لن أنافق، ربما أخطأ أو أفشل ولكنى لن أنافق، وأثق فى أننى لن أصير دندراوي الهواري يومًا، لن أكون أحمد موسى، أو حافظ أبوسعدة، سأحاول أن أكون براء أشرف، فالحياة ليست طويلة بتلك الدرجة التي تجعلنا نخشى قول الحق.
رحم الله البراء أشرف. وأعاد لنا إسلام وياسين وأمثالهم.

أزهى عصور الكذب



بوستر حملة "عسكر كاذبون"

مصر العربية



عندما تفشل الحكومات فى تقديم خدمات مرضية للمواطنين، فى الغالب تعترف بفشلها أو تقدم استقالتها، ففى 2004 تقدم رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى "ميشال جوتوديا" باستقالته لاتهامه من المجتمع الدولي بعدم التصدي لأعمال العنف. ولم يدّعى أن بلاده خالية من العنف حتى لا يُكتب عند شعبه كذّاباَ.
في 2010 أعلن رئيس الوزراء الياباني "يوكيو هاتوياما" استقالته من منصبه بعد 9 أشهر من الحكم لفشله في الوفاء ببعض الوعود التي قطعها للناخبين خلال حملته الانتخابية، وطبعًا لم يُحدِث شعبه عن إنجازاتٍ وهمية ومليارات ستدفق بشكل غير مسبوق، لأن الشعب اليابانى لن يقبل بمثل هذه التفاهات.
في 2014 تقدم رئيس وزراء كوريا الجنوبية "شونغ هونغ" باستقالته على خلفية غرق عبارة، وقدم مع استقالته اعتذارًا لشعبه عن عدم استطاعته منع الحادثة، ولكن شعبه لم يقبل الاعتذار، ومع هذا لم يستخف وقتها بعقول المواطنين، ولم يدل بتصريحات من نوعية "جارى التحقيق مع المسئول" لعلمه بأنه المسئول.
أما فى مصر، فى ظل نظام جديد قديم، قائم على الكذب، نعيش أزهى عصور الكذب، والذي يجب كشفه بتشغيل العقل الذي خلقه الله تعالى لنفكر به، لا لنبرّر به فشل الحكومات.


* فى إبريل الماضى أصدر المجلس القومى لحقوق الإنسان بيانًا يفيد بوجود تعذيب فى سجن أبى زعبل، ولكن اللواء "أبوبكر عبد الكريم" المتحدث باسم الداخلية ومساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان لم يجد أي غضاضة فى الإدعاء بأن العلامات الموجودة على جسد أحد المساجين ليست إلا "وحمة قديمة"، وإلى الآن لم يتمكن العلماء من معرفة الفرق بين الوحمة القديمة والجديدة.
كما أن سيادته أتحفنا فى تصريحه عن وجود تكييف فى أماكن الاحتجاز متناسيًا من يموتون فى السجون من شدة الحرارة، ومتجاهلاً الآلاف خلف القضبان ممن يحكي ذويهم عن معاناة أبنائهم بعد رفض الداخلية دخول المراوح الهوائية للزنازين. كما أن "توفيق عكاشة"، الابن المدلل لكل الأنظمة الديكتاتورية، أكد بعضمة لسانه أن درجة الحرارة فى السجون قاتلة وأنه عانى منها ومن انتشار الناموس.


* بعد اقتحام الآلاف من أمناء الشرطة لمديرية أمن الشرقية وهتافاتهم ضد وزير الداخلية الحالى ومطالبته بالرحيل، وهتافهم "الداخلية بلطجية"، لم تتعامل الداخلية مع هذا الاقتحام بما يتوافق مع قانوني التظاهر والإرهاب، ولم يتم فض الاعتصام بالقوة، وقال اللواء "أبوبكر" أن وقفة أمناء الشرطة لم تخالف القانون لأنها وقفة وليست مظاهرة. وإلى الآن لا يعلم أحد الفرق بين الوقفة والمظاهرة. ولم نجد فرقًا بين مظاهرة أمناء الشرطة وبين وقفة شباب مجلس الشورى، والاتحادية، والوقفة التي قتلت فيها الشهيدة شيماء الصباغ برصاص الأمن، سوى أن أمناء الشرطة اقتحموا مقرًا أمنيًا وحطموا محتوياته، أما الوقفات الأخرى فلم تقتحم ولم ترتكب جرمًا ومع ذلك انتهت بالاعتقال والقتل.
بعد يومين من وقفة أمناء الشرطة هدمت قوات الأمن عشش بعض الكادحين والكادحات من أهالي الدقى، ووعدت الأهالى بتسكينهم فى أماكن بديلة ولكنها لم تفعل، فاعترض الأهالى الذين لم يجدوا مأوى لهم سوى الشوارع، فما كان من الشرطة إلا تعاملت معهم  بشكل عنيف وفرقت وقفتهم بالغاز والخرطوش لأنها مظاهرة وليست وقفة. لتثبت مقولة السيسى الشهيرة: الشعب لم يجد من يحنو عليه.
على كل حال لا يعلم الفرق بين الوقفة والمظاهرة سوى الله ثم سيادة اللواء أبوبكر. وربنا يستر.


* دائما تنكر الداخلية اختطاف المواطنين والمواطنات، ولكن ظهور "إسراء الطويل"  وصديقيها "عمر على" و"صهيب سعد"، بعدما اختطفتهم قوات الأمن من الشارع وأخفتهم كشف لنا الكذب الذي أدمنته وزارة الداخلية، وإكمالًا لمسلسل الكذب بث حسابًا تابعًا للقوات المسلحة على موقع – يوتيوب - مقطعاً بعنوان "القبض على أكبر خلية إرهابية" ظهر فيه "صهيب سعد"، ذلك الفتى الذى اختطفته الداخلية  مع "إسراء الطويل"، وكانت علامات التعذيب واضحة على وجهه، واعترف ببساطة أنه إرهابى ارتكب جرائم ضد الدولة، ولا أدري كيف يظهر أى مخلوق ليقول قتلت هذا واستهدفت ذاك بكل بساطة، إلا إذا أجبر على هذا القول بعد تعذيب لا يتحمله إنسان؟! ولا أدري أيضًا كيف يصدق عاقل تلك الأكاذيب الساذجة (يذكر أن صهيب سعد وعمر محمد قد تمت إحالتهم مؤخرًا للمحاكمة العسكرية)..


* كما أن اختفاء "إسلام خليل" الذي ما زالت الداخلية تحتجزه فى مكان غير معلوم منذ أكثر من ثلاثة أشهر خير دليل على وجود اختفاء قسري بشكل ممنهج ومتعمد. وكانت قوات الأمن قد اختطفت إسلام ووالده وشقيقه واحتجزتهم فى إحدى مقرات أمن الدولة ثم تركت والده وأخيه، وإلى الآن لم يتم التحقيق مع إسلام ولم تفصح الداخلية عن مكان احتجازه.


* لا يخفى على أحد أن مدينة الإسكندرية تحولت إلى -مقلب زبالة- وأن الزبالة صارت جزءًا لا يتجزأ من معالم محافظة الإسكندرية، حتى أن جريدة اليوم السابع المؤيدة للنظام شهدت بهذا فى إحدى تقاريرها، وحتى إن لم تشهد فالشعب يعلم  أن الإسكندرية لم تمر بأيام كهذه الأيام التي امتزجت فيها شواطئ الإسكندرية بالنفايات، إلا أن الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة التطوير الحضرى والعشوائيات أشادت بنظافة الإسكندرية، ففي تصريحها للصحافة قالت: "أشهد بأني لم أر الإسكندرية بهذه النظافة منذ سنوات" وعلينا أن نكذب أعيننا ونصدق الدكتورة ليلى!


* أما وزارة الإسكان، وما أدراك ما وزارة الإسكان، فنجد أن 12 مواطنًا من أسرة واحدة قد وقعت عليهم القرعة – العشوائية - للحصول على أراضٍ متجاورة لبعضها – بشكل عشوائي - حتى أن الرئاسة نفسها لم تصدق وطلبت فتح تحقيق فى تلك الواقعة بعد الضجيج الإع..لامى.


*أما الطالبة المتفوقة "مريم ملاك" التى حصلت على – صفر - فى الثانوية العامة ظلماً، فحاول الدكتور "محب الرافعى" وزير التربية والتعليم الإدعاء بأن الطالبة فاشلة وأنها تستحق صفر، ولكن النيابة العامة كذّبت الوزير وأثبتت أن الكنترول تلاعب بأوراق الطالبة، ثم صرح الوزير بعدها أنه سيقدم اعتذاره لو صحت تحقيقات النيابة، أما كلمة "استقالة" فحذفت من المنهج.
*في كلمة ألقاها "عبدالفتاح السيسي" عن إنجازاته المبهرة أخطأ الرجل وأطلق كلمة "تفريعة" على مشروعه الذي تكلف الاحتفال به نحو 30 مليون دولار – حسب تصريحات الشركة المنظمة للحفل - كما أعلن أن عدد السفن ازداد 15 سفينة، وأدى الازدياد إلى رجوع الـ 20 مليار لخزينة الدولة، ومعنى هذا أن كل السفينة الواحدة من الـ 15 سفينة قد ضخت فى خزينة الدولة أكثر من مليار و250 مليون!


*جهاز الكفتة. وجهاز الكفتة وجهاز الكفتة!


***
علينا أن نقاوم الكذب وألا نستسلم لهراء الحكام، حتى يعلموا أننا لسنا أغبياء بهذه الدرجة التى تجعلنا نصدق ما يقولوه بأفواههم، ونكذب ما نراه بأعيننا، علينا أن نقول الحقيقة مهما كانت عواقبها.. يقول جورج أورويل: "فى وقت الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة عملًا ثوريًا".

التعذيب ليس مجانًا




رسم: كارلوس لاتوف

مصر العربية


(1)
لم يشارك فى الثورة من أجل أن تسيل الدماء، وأن يعود العسكر للحكم من جديد، ويعود اعتقال المعارضين، وأن يمنعوا التظاهر، فأراد أن يثبت وجوده أمام الدولة العميقة والعقيمة، وأن يوصل رسالته ويعترض؛ كما اعترض سابقًا في أثناء الحكم المباركي، وكما اعترض في أثناء حكم المجلس العسكرى، وكما اعترض في أثناء حكم محمد مرسي؛ رفع لافتة مكتوب عليها "لا لقانون منع التظاهر، لا للمحاكمات العسكرية للمدنين".. لم يفكر أبدًا فب استخدام العنف في أقل صوره، فقرر أعداء الثورة وأعداء التظاهر اعتقاله وتعذيبه وحبسه في السجن سنوات بدعوى خرق قانون التظاهر، وبدعوى أن هيبة الدولة يجب أن تبقى فوق الجميع، وحتى لا تحزن "هيبة" حكموا عليه بالسجن المشدد 5 سنوات والمراقبة الأمنية مثلها والغرامة 100 ألف جنيه، ففرحت "هيبة" ونظرت بكبرياء لذلك الفتى الذى هددها واتخذ من السلمية سلاحًا لمواجهة القمع.
(2)
حلم أن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فُتوّة يتوسل إليه الناس، يحصل على الرشوة من هذا ويتوسط من أجل ذاك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء، وأخيرًا تحقق حلمه وصار "أمين شرطة" بفضل دعاء الوالدين لأحد قيادات الداخلية؛ هوايته "التعذيب" لا يتخيل أن يمر يومًا من دون أن يعذب أي مخلوق، فداء لله والوطن وللباشا "اللي أكبر منه" دائمًا يتقرب إلى الباشا "اللى أكبر منه" باعتقال واختطاف الناس من الشوارع؛ وبإذلال أهالي المعتقلين؛ هو لا يحتاج نقودًا فكل شئ متوفر في السجن بالمجان، وعدد المساجين الذين يدفعون الإتاوة من أجل العيش في زنزانة ليست مزدحمة كفيل بأن يجعله مليونير، بالإضافة إلى المصالح التى يقضيها للناس بعد دفع الواجب.
هو ليس سيد بنفس الدرجة التى وصل إليها سيده الضابط الذي وقف على منصة كلية الشرطة في أثناء تخرجه من الكلية يقول بكل فشخرة "اللي تتمد إيده على سيده تتقطع إيده" معتبرًا نفسه سيدًا على الشعب لا خادمًا له بمجرد وقوفه على منصة التخرج من كلية الشرطة، فهو سيد على كل من أدنى منه حتى أمين الشرطة نفسه، لذا يحاول أمين الشرطة أن يعوض هذا النقص وأن يطلع عين أم المواطن بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وفي الفيديو الذى انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي في مترو الأنفاق يضرب شابًا عشرينيًا حاول تحرير محضر ضد أحد المتحرشين بخطيبته، نلاحظ هذا النقص وهو ينظر إلى الصامتين والصامتات الأحياء منهم والأموات ممن يشاهدون الفتى وهو يتعذب ويهان دون أي رد فعل من أناس اعتادوا على رؤية هذه المشاهد يوميًا، فيهتف فيهم أمين الشرطة محذرًا: فيه إيه يا ولاد العاهرة؟!
(3)
في سيارة الترحيلات، يجلس الشاب الذى قرر أن يتظاهر، والذي في الغالب سيضيع مستقبله، سيحكم عليه ب 3 سنوات، أو 5، أو 7، ولو استطاعوا اعدامه لفعلوا، ولو قدروا على قتله من التعذيب لقتلوه، ينظر له أمين الشرطة ويسأله ساخرًا: وانت بقى كنت بتتظاهر ليه؟ واخد فلوس من الإخوان؟! أصل متحاولش تقنعني إنك بتعمل كده لله يعني؛ المظاهرات دي بتهدم الدولة يبقى إنت أكيد مش بتعمل كده من نفسك وأكيد وراك حد بيحركك!
يحاول الفتى أن يصحح له الخطأ، وأن يوضح له أن التظاهر ليس جريمة، وأنه لم يتظاهر من أجل نفسه فقط، بل من أجل الجميع، ولكن أمين الشرطة لا يصدقه لأنه لم يعرف فى حياته معنى "من أجل الجميع"، وعندما تصل سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة يبدأ أمين الشرطة في ممارسة هوايته المفضلة -التعذيب- ويحاول أن يجبر الفتى على الاعتراف؛ فيعترف الفتى بجريمة لم يرتكبها.
(4)
يتصل به أحد زملائه من أمناء الشرطة.
- بقولك إيه، سيب التعذيب اللى فى إيدك وتعالى بسرعة.
= لا دأنا مقدرش أسيب اللحظة المهمة دى.
- طيب خلص وتعالى عشان عندنا مظاهرة.
= عندما يسمع كلمة "مظاهرة" يبتهج، فهوايته الأخرى قمع التظاهرات، ولكنه يفاجأ عندما يعلم أنه يقصد أن أمناء الشرطة هم من سيتظاهرون.
- انت بتهزر؟ احنا اللى هنتظاهر؟ إنت إخوان ولا إيه؟!
= أيوة احنا بقالنا أد إيه مبناخدش مرتباتنا؛ هو إحنا هنعذب الناس ونبلطج عليهم، ونخطفهم من البيوت ببلاش؟! التعذيب مش ببلاش.
- عندك حق، أنا إيدى وقفت من كتر التعذيب.
(5)
"الحرية لكل سجين. هاتوا إخواتنا من الزنازين"
كان هذا هتاف المظاهرة التي خرجت تطالب بالإفراج عمن تظاهروا ضد عودة القمع، شارك فيها أهالي وأصدقاء المعتقلين، ولكن الشرطة تعاملت معهم بقسوة وفرقتهم بالخرطوش والغاز وأصابت العديد منهم بالرصاص الحي، واعتقلت منهم أعداد كبيرة، حتى أنهم لم يفرقوا بين الشباب والبنات في موجة الاعتقالات. وهكذا كلما رأينا مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين تعتقل الشرطة أغلب من فيها.
(6)
اقتحم نحو 2000 من أمناء الشرطة مديرية أمن الشرقية، وأتلفوا المكاتب ومنعوا وصول المسؤلين مكاتبهم وهتفوا ضد وزير الداخلية: "ارحل بقى ياعم خلى عندك دم" الهتاف الذى من أجله اتهم شباب الثورة بالعمالة والخيانة ونشر الفوضى، وطالبوا بالمساواة بينهم وبين الضباط فى كل شئ، وخاصة فى بدل المخاطر والعلاج فى المستشفيات، طالبوا أن يصيروا أسيادًا فى نفس درجة أسيادهم، لأنه لا فرق بينهم فى المجهود، فالجميع يقتل ويخطف ويعذب ويعتقل، فلماذا لا يوجد عدل بينهم؟!
هتف أعداء الهتاف، وتظاهر من يقمع التظاهرات، ونجحوا فى الاعتصام، بل واقتحموا مقرًا حكوميًا، ولم يجدوا وسيلة أخرى من أجل رفع كفاءتهم في التعذيب والبلطجة سوى التظاهر، ولكن الشرطة لم تتعامل معهم كما تتعامل مع أى متظاهر آخر، لأنهم فى النهاية  شاربين ساحلين ضاربين معذبين مبلطجين مع بعض.
(7)
يجلس مع رفاقه فى الزنزانة التي سيقضي بها سنوات ويلقي أبياتًا يحفظها كما يحفظ اسمه:
يا عم الظابط انت كداب
واللي باعتك كداب
مش بالذل حاشوفكم غير
ولا استرجى منكم خير
انتم كلاب الحاكم
واحنا الطير
انتم التوجيه وإحنا السيل
انتم لصوص القوت
واحنا بنبنى بيوت
احنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت
احنا شعبين ..شعبين ..شعبين
الأبيات لعبد الرحمن الأبنوى من قصيدة: الأحزان العادية