‏إظهار الرسائل ذات التسميات سجون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سجون. إظهار كافة الرسائل

ترحيلات الموت

سيارات ترحيلات (الجزيرة)



المادة (55) من الدستور:
كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا فى أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيا وصحيًا.
عندما تصبح أقصى أمانيك أن تنتقل من قسم شرطة إلى سجن حتى تفلت من العقاب المتواصل والإنتقام الغير مبرر، عندما تتمنى أن تُسجن لكن دون أن  ترى أطفالا يصعقون بالكهرباء، وأمهات تصرخ ويتوسلن للضباط  كى يطلقوا سراح أولادهم، وطالبات بجامعة الأزهر يعاملن بطريقة لا تتعامل بها العاهرات، وأنت عاجز عن فعل شئ سوى أن تتمنى الإنتقال من هذا الجحيم إلى جحيم أقل قسوة، ثم ترى الأمل فى سيارة الترحيلات التى تظنها جاءت لتحقق أمنيتك، إن شئت أطلق عليها سيارة الأموات.


فى سيارة الترحيلات تتمنى أن تصير أرنباً كي تعاملك الشرطة على أنك ذو قيمة ويجب المحافظة عليك!


كنت أظن أنهم ربما يرّحلون 40 شخصا ويتركون باقي المقبوض عليهم لكوني لا أرى سوى سيارتي ترحيلات فقط، ولكنى كنت خاطئاً، فهل من يصعق بالكهرباء ويجلد ويمحو مستقبل كل هؤلاء سيفكر فى العذاب الذى سيتعرض له كل هذا العدد نتيجة للتكدس فى سيارة الترحيلات؟!


تكدست مع أكثر من 30 طالبا فى السيارة، وفى الجزء المخصص لعساكر الحراسة وضعوا ثمان فتيات وهو جزء صغير للغاية لا يتسع سوى لثلاثة أشخاص من طاقم الحراسة، ورغم أننا كنا فى الشتاء إلا أن حبات العرق الصادرة من كثرة الأنفاس المتكدسة كانت تتساقط من سقف السيارة، فلست مضطرا الآن أن أصف لك كيف ستكون تلك السيارة فى الصيف، ناهيك عن زجاجات المياه التى كان يقضى بها الجميع حاجاتهم نظرا لطول الفترة التي يقضونها فى السيارة، وكانت معنا أحد المرضى بالسكر فكانت تلك كارثة لنا وله فكان يضطر أن يفرغ ماء الزجاجات على أرضية السيارة ليقضي حاجته بها.
وكان أعجب شئ على الإطلاق هو غناء الفتيات الذي امتزج برائحة البول وبعرق السيارة، فكانوا يتغنون بأغاني "الشيخ إمام" وكأنهن مرحبات بالسجن.
كنا نظن أن رحلة الضرب والانتهاكات قد إنتهت برحيلنا من قسم الشرطة، ولكن كانت ظنونا خائبة.


وصلنا إلى معسكر السلام الخاص بقوات الأمن المركزي، والذي لا يصح دستورا أو قانونا احتجاز المدنيين به.
المادة (52) من الدستور:
التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم
عندما وطأت أقدامنا على أرض معسكر السلام، سألت نفسى لماذا يطلقون عليه السلام؟! أي سلام هذا؟!
وجدنا حشودا من العساكر ترتدى السواد، وتغطى وجوهها، منهم من كان بيده عصا ومنهم من كانت غلاظة يديه لا تحتاج إلى عصا، وقفوا صفين يتطلعون لرؤيتنا، يتسابقون للفتك بنا، مررنا بين الصفين نهرول من عصا لعصا ومن كف لكف، كانت صفوف العساكر تصل طولها إلى 100 متر تقريبا. دخلنا إلى ساحة المعسكر وجلسنا وجوهنا للحائط، تحل علينا الضربات من الخلف، لا تتسائل لماذا يضربون لأنهم فى الغالب قد خلقوا بلا عقول.
المادة (51) من الدستور:
الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها.
أمرونا أن نهتف باسم السيسى وأن نسب الإخوان رغم أن الغالبية لم تكن من الإخوان؛ وأن نقول بصوت عال أننا لسنا رجال وأننا عاهرات، وكانت الفتيات تقف خلفنا غير قادرات على شئ سوى البكاء على ما يحدث لنا. بالطبع هتف أغلب الشباب بإسم السيسي ونعتوا أنفسهم بالعاهرات، ومنا من رفض فكانت عقوبته أشد، وكانت الضربات تنهال عليه من كل جانب.


كانت الشرطة تحاول أن تخلق لنفسها تبريرا لما يفعلوه من ضرب فوضعوا قوانين ليست كالقوانين وأمرونا أن نخلع ثيابنا بشكل كامل فى أقل من 10 ثوانى بدعوى التفتيش؛ وما زالت الفتيات ترانا؛ وطبعا كان من المستحيل أن يتمكن أحد من خلع ملابسه فى 10 ثوانى، وكان من المستحيل أن يفلت أحد من العقاب.
وضعوا الشباب فى زنزانة واحدة وعددهم 62، والفتيات فى زنزانة أخرى، بلا غطاء، كنا نجلس على البلاط، وكان الجلوس أقصى أمانينا، فكنا نبدل أماكننا كى نستطيع الجلوس، مجموعة تقف وأخرى تجلس للنوم، وكان سعيد الحظ من يتمكن من النوم على البلاط.
ظللنا فى هذا المكان أربعة أيام.

التعذيب ليس مجانًا




رسم: كارلوس لاتوف

مصر العربية


(1)
لم يشارك فى الثورة من أجل أن تسيل الدماء، وأن يعود العسكر للحكم من جديد، ويعود اعتقال المعارضين، وأن يمنعوا التظاهر، فأراد أن يثبت وجوده أمام الدولة العميقة والعقيمة، وأن يوصل رسالته ويعترض؛ كما اعترض سابقًا في أثناء الحكم المباركي، وكما اعترض في أثناء حكم المجلس العسكرى، وكما اعترض في أثناء حكم محمد مرسي؛ رفع لافتة مكتوب عليها "لا لقانون منع التظاهر، لا للمحاكمات العسكرية للمدنين".. لم يفكر أبدًا فب استخدام العنف في أقل صوره، فقرر أعداء الثورة وأعداء التظاهر اعتقاله وتعذيبه وحبسه في السجن سنوات بدعوى خرق قانون التظاهر، وبدعوى أن هيبة الدولة يجب أن تبقى فوق الجميع، وحتى لا تحزن "هيبة" حكموا عليه بالسجن المشدد 5 سنوات والمراقبة الأمنية مثلها والغرامة 100 ألف جنيه، ففرحت "هيبة" ونظرت بكبرياء لذلك الفتى الذى هددها واتخذ من السلمية سلاحًا لمواجهة القمع.
(2)
حلم أن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فُتوّة يتوسل إليه الناس، يحصل على الرشوة من هذا ويتوسط من أجل ذاك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء، وأخيرًا تحقق حلمه وصار "أمين شرطة" بفضل دعاء الوالدين لأحد قيادات الداخلية؛ هوايته "التعذيب" لا يتخيل أن يمر يومًا من دون أن يعذب أي مخلوق، فداء لله والوطن وللباشا "اللي أكبر منه" دائمًا يتقرب إلى الباشا "اللى أكبر منه" باعتقال واختطاف الناس من الشوارع؛ وبإذلال أهالي المعتقلين؛ هو لا يحتاج نقودًا فكل شئ متوفر في السجن بالمجان، وعدد المساجين الذين يدفعون الإتاوة من أجل العيش في زنزانة ليست مزدحمة كفيل بأن يجعله مليونير، بالإضافة إلى المصالح التى يقضيها للناس بعد دفع الواجب.
هو ليس سيد بنفس الدرجة التى وصل إليها سيده الضابط الذي وقف على منصة كلية الشرطة في أثناء تخرجه من الكلية يقول بكل فشخرة "اللي تتمد إيده على سيده تتقطع إيده" معتبرًا نفسه سيدًا على الشعب لا خادمًا له بمجرد وقوفه على منصة التخرج من كلية الشرطة، فهو سيد على كل من أدنى منه حتى أمين الشرطة نفسه، لذا يحاول أمين الشرطة أن يعوض هذا النقص وأن يطلع عين أم المواطن بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وفي الفيديو الذى انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي في مترو الأنفاق يضرب شابًا عشرينيًا حاول تحرير محضر ضد أحد المتحرشين بخطيبته، نلاحظ هذا النقص وهو ينظر إلى الصامتين والصامتات الأحياء منهم والأموات ممن يشاهدون الفتى وهو يتعذب ويهان دون أي رد فعل من أناس اعتادوا على رؤية هذه المشاهد يوميًا، فيهتف فيهم أمين الشرطة محذرًا: فيه إيه يا ولاد العاهرة؟!
(3)
في سيارة الترحيلات، يجلس الشاب الذى قرر أن يتظاهر، والذي في الغالب سيضيع مستقبله، سيحكم عليه ب 3 سنوات، أو 5، أو 7، ولو استطاعوا اعدامه لفعلوا، ولو قدروا على قتله من التعذيب لقتلوه، ينظر له أمين الشرطة ويسأله ساخرًا: وانت بقى كنت بتتظاهر ليه؟ واخد فلوس من الإخوان؟! أصل متحاولش تقنعني إنك بتعمل كده لله يعني؛ المظاهرات دي بتهدم الدولة يبقى إنت أكيد مش بتعمل كده من نفسك وأكيد وراك حد بيحركك!
يحاول الفتى أن يصحح له الخطأ، وأن يوضح له أن التظاهر ليس جريمة، وأنه لم يتظاهر من أجل نفسه فقط، بل من أجل الجميع، ولكن أمين الشرطة لا يصدقه لأنه لم يعرف فى حياته معنى "من أجل الجميع"، وعندما تصل سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة يبدأ أمين الشرطة في ممارسة هوايته المفضلة -التعذيب- ويحاول أن يجبر الفتى على الاعتراف؛ فيعترف الفتى بجريمة لم يرتكبها.
(4)
يتصل به أحد زملائه من أمناء الشرطة.
- بقولك إيه، سيب التعذيب اللى فى إيدك وتعالى بسرعة.
= لا دأنا مقدرش أسيب اللحظة المهمة دى.
- طيب خلص وتعالى عشان عندنا مظاهرة.
= عندما يسمع كلمة "مظاهرة" يبتهج، فهوايته الأخرى قمع التظاهرات، ولكنه يفاجأ عندما يعلم أنه يقصد أن أمناء الشرطة هم من سيتظاهرون.
- انت بتهزر؟ احنا اللى هنتظاهر؟ إنت إخوان ولا إيه؟!
= أيوة احنا بقالنا أد إيه مبناخدش مرتباتنا؛ هو إحنا هنعذب الناس ونبلطج عليهم، ونخطفهم من البيوت ببلاش؟! التعذيب مش ببلاش.
- عندك حق، أنا إيدى وقفت من كتر التعذيب.
(5)
"الحرية لكل سجين. هاتوا إخواتنا من الزنازين"
كان هذا هتاف المظاهرة التي خرجت تطالب بالإفراج عمن تظاهروا ضد عودة القمع، شارك فيها أهالي وأصدقاء المعتقلين، ولكن الشرطة تعاملت معهم بقسوة وفرقتهم بالخرطوش والغاز وأصابت العديد منهم بالرصاص الحي، واعتقلت منهم أعداد كبيرة، حتى أنهم لم يفرقوا بين الشباب والبنات في موجة الاعتقالات. وهكذا كلما رأينا مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين تعتقل الشرطة أغلب من فيها.
(6)
اقتحم نحو 2000 من أمناء الشرطة مديرية أمن الشرقية، وأتلفوا المكاتب ومنعوا وصول المسؤلين مكاتبهم وهتفوا ضد وزير الداخلية: "ارحل بقى ياعم خلى عندك دم" الهتاف الذى من أجله اتهم شباب الثورة بالعمالة والخيانة ونشر الفوضى، وطالبوا بالمساواة بينهم وبين الضباط فى كل شئ، وخاصة فى بدل المخاطر والعلاج فى المستشفيات، طالبوا أن يصيروا أسيادًا فى نفس درجة أسيادهم، لأنه لا فرق بينهم فى المجهود، فالجميع يقتل ويخطف ويعذب ويعتقل، فلماذا لا يوجد عدل بينهم؟!
هتف أعداء الهتاف، وتظاهر من يقمع التظاهرات، ونجحوا فى الاعتصام، بل واقتحموا مقرًا حكوميًا، ولم يجدوا وسيلة أخرى من أجل رفع كفاءتهم في التعذيب والبلطجة سوى التظاهر، ولكن الشرطة لم تتعامل معهم كما تتعامل مع أى متظاهر آخر، لأنهم فى النهاية  شاربين ساحلين ضاربين معذبين مبلطجين مع بعض.
(7)
يجلس مع رفاقه فى الزنزانة التي سيقضي بها سنوات ويلقي أبياتًا يحفظها كما يحفظ اسمه:
يا عم الظابط انت كداب
واللي باعتك كداب
مش بالذل حاشوفكم غير
ولا استرجى منكم خير
انتم كلاب الحاكم
واحنا الطير
انتم التوجيه وإحنا السيل
انتم لصوص القوت
واحنا بنبنى بيوت
احنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت
احنا شعبين ..شعبين ..شعبين
الأبيات لعبد الرحمن الأبنوى من قصيدة: الأحزان العادية

رمضان جانا.. فى الزنزانة






قضيت شهر رمضان الماضي بين جدران السجون، كان شهرًا قاسيًا ولم يكن كريمًا كعادته، كنت أفكر دائمًا فى أمي، أتخيلها تبكي على مائدة الإفطار، تمتنع عن طعام السحور، وجهها شاحب.
شهر رمضان سبب فى فرحة الجميع عدا ساكنى الزنازين؛ فأول ليلة من شهر رمضان يكسو الحزن كل شئ، يكسو الوجوه والقلوب والعقول؛ يكسوالجدران!
هذا يفكر فى أمه وأبيه، وهذا فى زوجته وأولاده، وذاك يبكي على فراق محبوبته، وأطفالاً يتمنون الخروح للعب كرة القدم فى رمضان كما اعتادوا!
فى غير رمضان كنا جميعًا نفرح بوقت الزيارة التى لا تتخطى 15 دقيقة كل 7 أيام، وفي رمضان نحزن عندما يأتى وقت الزيارة لمعاناة أهالينا الذين ينتظرون موعد زيارتهم خارج أسوار السجن من بعد الفجر وهم صائمون؛ ينتظرون أكثر من 6 ساعات!
شهر رمضان خارج الزنازين ملئ بالفرحة وبصوت عبد المطلب "رمضان جانا وفرحنا به" وداخل الزنازين تسمع أصواتًا ساخرة ممزوجة بحشرجة يلمؤها الحزن تغنى "رمضان جانا .. فى الزنزانة" ثم يضحكون بجنون؛ ليواجهوا اللامبالاة والظلم، يضحكون لأنهم يعلمون أن فى الليل لن ترحمهم دموعهم.
خرجت من السجن"حمدا لله" ولكنى تركت ابتسامتى المعتادة هناك؛ حيث ينام رفاقًا ظلمهم النظام الحالي وأضاع أعمارهم.
خرجت ولكن المستقبل مازال مسجونًا.
أتذكر "عبدالقادر زايد" طالب أولى هندسة الأزهر الذى ترك حياته بمحافظة البحيرة وانتقل إلى القاهرة ليحقق حلمه وحلم أسرته فى أن يصير مهندسًا. ولكن الداخلية قتلت أحلامه واعتقلته وهو فى طريقه لأداء أول امتحان له يوم 28 ديسمبر 2013، لن أنسى حكاياته عن أمه التى لم يرها منذ اعتقاله لعدم قدرتها على السفر للقاهرة لأنها مريضة. وعن أبيه الذى أصيب بمرض فى القلب حزنًا عليه وعلى ضياع مستقبله!
لم يستطع "عبدالقادر" توصيل صوته عندما أضرب عن الطعام في 9 سبتمبر 2014. وقتها كان يتعلق بالأمل.
فى رمضان الماضى كتب"عبد القادر"هذه الكلمات:
"أنا المصلوب في زنزانه وسألوني مالك؟
قلت ماليش
أنا الغرقان فى كوب مية
انا الزاهد كما الدراويش
أنا الضحكة و الأحزان
أنا البحر اللي عاش يروي
ومات عطشان.
أنا عنوان بلا موطن
أنا موطن بلا عنوان."
يقضى "عبدالقادر" شهر رمضان للمرة الثانية بين جدران السجون بدلاً من قضائه بين مدرجات كليته.
قرر عبدالقادر تأجيل حلمه ولم يؤد امتحاناته لمدة عامين، فقد اعتقل وهو يبلغ من العمر 18 سنة ولكنه الآن يبلغ من العمر 20 عامًا !
حُكم على "عبدالقادر" بالسجن المشدد 7 سنوات وبالمراقبة 5 أعوام.
والسجون مليئة بآلاف "عبدالقادر" ممن لا نعلم عنهم شيئًا وممن سيقضون شهر رمضان فى ظلمات السجون.

موضوعات متعلقة:

ترحيلات الموت

نعلم أنك بريء ولكن..


السجون في الصيف


أرض الكذب








كُتب فى سجن أبو زعبل بتاريخ 7 أبريل 2015 بعد خروجي من زنزانة التأديب ولم أستطع حينها تهريبه خارج أسوار السجن.
أُتيحت الفرصة كاملة لوزارة الداخلية بأن تقول في حقي ما تريده عبر وسائل الإعلام المختلفة، أما أنا فلا مجال لى سوى الكتابة، ولهذا أكتب إليكم الآتى:
(1)


قبل زيارة "المجلس القومى لحقوق الإنسان" وبعد خروجي من زنزانة التأديب؛ تمّ استدعائي في مكتب المباحث وتهديدي بتلفيق قضايا أخرى غير قضيتى منها على سبيل المثال "تهريب مخدرات؛ أو الإعتداء على عساكر؛ أو كسر يد شاويش إن تحدثت أمام المجلس القومي لحقوق الإنسان عما حدث لي ولزملائي من اعتدائات".
وفي أثناء زيارة القومي لحقوق الانسان، رفضت قيادات وزارة الداخلية ومنها مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان أبو بكر عبد الكريم، أن أنفرد بالقومي لحقوق الإنسان حتى أتحدث بحرية، وأصروا على أن يحتشدوا فى مكتب مأمور السجن ظنًا منهم أني سأرتبك وسأخشى هذا المشهد الممتلئ بالنسور والسيوف والنجوم والدبابير؛ لا أنكر شعورى بالخوف حينها؛ لكني عندما تذكرت أن هذا ليس حقي وحدي ولكنه حق كل من تم الإعتداء عليه وأن الصمت في هذه الحالة يعدّ خيانة تكلمت بلا خوف وحكيت ما حدث وكنت مستعد لكل أنواع البطش.
عندما تحدثت لم يستطيع أي  من قيادات الداخلية تكذيبي فى وجههى.فكذبوني فى وسائل الإعلام.
(2)


قال اللواء "أبو بكر عبد الكريم" لوفد القومي لحقوق الانسان أنه مسموح لكل من في التأديب بدخول دورة المياه لقضاء حاجته مرتين يوميا.


فقلت له: نحن نتمنى أن ندخل دورة المياه مرة واحدة كل يومين، وقلت أنه غير مسموح لنا بقضاء حاجتنا إلا فى علبة بلاستيك داخل الزنزانة وأن المسجون يجرد من ملابسه عند دخول التأديب عدا بدلة ميري بيضاء خفيفة كما الكفن، ويدخل حافي القدمين ولا يُسمح بغطاء شتوي سوى نصف بطانية ميري، وعليك أن تختار بين أن تضعها على البُرش - البلاط - أو على جسدك، وقلت أن فى التأديب الذى يبلغ عرضه ثلاثة أشبار يد، وطوله خمسة أشبار غير مسموح بدخول زجاجة مياه نظيفة ولا طعام، إلا رغيف خبز وقطعة جبن تفوح منها رائحة كريهة ولا هواء ولا ضوء ولا حتى حياة.
وتسائلت ألا يُعدّ هذا تعذيبّ؟!.
قال أحد اللواءات أنى أكذب فقلت: إذا أردتم أن تثبتوا لهم كذبي فدعوهم يلقوا نظرة على التأديب ولكنهم بالطبع رفضوا؛ فقلت دعوهم يسألوا المساجين في العنبر السياسي عما  يحدث في التأديب فليس من الطبيعي أن نتفق جميعا على أن يكون الكلام واحد، ولكنهم رفضوا.
(3)
قالوا كذبا في وسائل الإعلام أن سبب نزولى التأديب مرّة لتهريبي سخانات ومرّة لضبطي بتليفون وأخرى لاعتدائى على العساكر!!.
أما عن السخانات (التى لم تضبط معى) فهي موجودة علانية في كل الزنازين ومسموح بدخولها والدليل أن كافيتريا السجن تبيع أشياء تحتاج للطهى كالأرز واللحوم وغيرها من الأشياء التى يجب أن تُطهى على السخانات.
والتليفون فأنا لم يضبط معى مرة واحدة أى تليفون ويمكن الرجوع إلى كل المحاضر التى لفقتها لي إدارة السجن فلن تجدوا فيها محضر ضبط  بالتليفون.
وعن الإعتداء على العساكر ففي السجن عندما يتم الإعتداء عليك تصير أنت الجاني حتى يجدوا مبررًا لعلامات الضرب المبرحة فى جسدك إذا وصل الأمر للنيابة.
فأنا من تمّ الإعتداء عليه ودخلت التأديب لأني تجرأت وطلبت عمل محضر رسمي ضد العساكر التي اعتدت عليّ بالضرب والسب.


(4)
قالوا كذبًا أن علامات الضرب على جسدي ليست إلا وحمة قديمة، أما عن الوحمة التي لم تراها أمي منذ ولدتني واكتشفتها الداخلية أخيرًا، فقد تم عرضي على الدكتور صلاح سلام عضو نقابة الأطباء، وعلى طبيب السجن برتبة نقيب، والذى اعترف بوجود علامات ضرب على جسدى أمام الدكتور صلاح سلام.
ولي هنا تساؤلات منطقية للسيد اللواء أبو بكر عبد الكريم:
- تقول أن في جسدي وحمة قديمة فهل توجد وحمة جديدة؟!
- وهل هناك أيضًا وحمة طولية مخططة بشكل عشوائى على الجسد؟!
- وهل تختفى الوحمة بعد أيام من على الجسد؟! (يا إلهى. إنها اختفت).
- وهل من المعقول أن يستغل إنسان فى الدنيا وحمة على جسده ويقول أنها تعذيب؟!
وماذا عن الوحمة التى أخفيتم بسببها الطالب"على قاعود" الذي صار جسده لوحة فنية مليئة بالوحمات بعدما جردتموه من ملابسه لتتفننوا فى رسم الوحمات؟! (عندما سأل الأستاذ چورچ إسحاق عن الطالب علي قاعود كان رد الداخلية أن "الكمبيوتر بايظ ومنعرفش هو فين"
ثم ماذا عن الوحمة التى كانت على أجساد المساجين ممن رفضتم عرضهم على القومى لحقوق الإنسان؟! وماذا عن وحمة خالد سعيد وسيد بلال والمحامي كريم حمدي الذي قتل لأنه لم يتحمل حجم الوحمة فى قسم المطرية؟!
(5)
يتسائل مساعد وزير الداخلية فى الإعلام: لماذا لم يقدم احد من المساجين شكاوي ضد الإنتهاكات سوى هذا الصحفى؟!
وباختصار؛ إن عدد من تقدموا بشكاوى ضد إدارة السجن تخطى 40 سجينًا.
(6)
أما عن لائحة السجون التى قالت قيادات الداخلية أمام الوفد الحقوقي أنهم ملتزمون بتطبيقها؛ فهل تنص اللائحة على سرقة متعلقات المساجين التى سُمح بدخولها؟!
وعلى عدم خروج المساجين للتريض لأكثر من عامين واستبدال التريض بالتهوية فى طرقة ضيقة لا تراها الشمس ولمدة ساعه واحدة؟!
وهل تنص على أن الملاعب الموجودة فى السجون ليست للتريض ولكن للزينة؟!
وتأمر بتعرية المساجين كما ولدتهم أمهاتهم واجبارهم على اختيار أسماء مؤنثه لهم حتى يرحمون من التعذيب؟!
ومنعهم من استخدام دورة المياه لمدة تصل إلى عشرة أيام واستبدال دورة المياه بعلبة بلاستك؟!
هل تنص اللائحة على منع الملابس الشتوية والبطاطين في الشتاء أو منع المراوح فى الصيف؟!
هل تنص على منع الجرائد والكتب؟!
(7)
أخيرًا ثلاثة رسائل قصيرة
الأولى: للمعنيين بحقوق الإنسان؛ ناضلوا من أجل إلغاء زنازين التأديب وكثفوا من زياراتكم للسجون لأن بإستطاعتكم التخفيف على المساجين.
الثانية: لوزارة الداخلية؛ لا تظنوا أن صمت الناس على انتهاكاتكم معناه أنهم يصدقون أكاذبيكم، فالناس تعلم جيدا أن وزراتكم أرضًا للكذب ولكن الخوف من بطشكم جعلهم يفضلون الصمت مؤقتًا.
الثالثة: أني لست طرفا فى صراع الوحوش على السُلطة؛ ولكني أريد أن أبلغكم أن السجون مكتظة بالمظلومين فلا تنسوهم لأنكم ربما تزوروا السجون قريبا.

المقال على مصر العربية