‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلطجة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلطجة. إظهار كافة الرسائل

التعذيب ليس مجانًا




رسم: كارلوس لاتوف

مصر العربية


(1)
لم يشارك فى الثورة من أجل أن تسيل الدماء، وأن يعود العسكر للحكم من جديد، ويعود اعتقال المعارضين، وأن يمنعوا التظاهر، فأراد أن يثبت وجوده أمام الدولة العميقة والعقيمة، وأن يوصل رسالته ويعترض؛ كما اعترض سابقًا في أثناء الحكم المباركي، وكما اعترض في أثناء حكم المجلس العسكرى، وكما اعترض في أثناء حكم محمد مرسي؛ رفع لافتة مكتوب عليها "لا لقانون منع التظاهر، لا للمحاكمات العسكرية للمدنين".. لم يفكر أبدًا فب استخدام العنف في أقل صوره، فقرر أعداء الثورة وأعداء التظاهر اعتقاله وتعذيبه وحبسه في السجن سنوات بدعوى خرق قانون التظاهر، وبدعوى أن هيبة الدولة يجب أن تبقى فوق الجميع، وحتى لا تحزن "هيبة" حكموا عليه بالسجن المشدد 5 سنوات والمراقبة الأمنية مثلها والغرامة 100 ألف جنيه، ففرحت "هيبة" ونظرت بكبرياء لذلك الفتى الذى هددها واتخذ من السلمية سلاحًا لمواجهة القمع.
(2)
حلم أن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فُتوّة يتوسل إليه الناس، يحصل على الرشوة من هذا ويتوسط من أجل ذاك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء، وأخيرًا تحقق حلمه وصار "أمين شرطة" بفضل دعاء الوالدين لأحد قيادات الداخلية؛ هوايته "التعذيب" لا يتخيل أن يمر يومًا من دون أن يعذب أي مخلوق، فداء لله والوطن وللباشا "اللي أكبر منه" دائمًا يتقرب إلى الباشا "اللى أكبر منه" باعتقال واختطاف الناس من الشوارع؛ وبإذلال أهالي المعتقلين؛ هو لا يحتاج نقودًا فكل شئ متوفر في السجن بالمجان، وعدد المساجين الذين يدفعون الإتاوة من أجل العيش في زنزانة ليست مزدحمة كفيل بأن يجعله مليونير، بالإضافة إلى المصالح التى يقضيها للناس بعد دفع الواجب.
هو ليس سيد بنفس الدرجة التى وصل إليها سيده الضابط الذي وقف على منصة كلية الشرطة في أثناء تخرجه من الكلية يقول بكل فشخرة "اللي تتمد إيده على سيده تتقطع إيده" معتبرًا نفسه سيدًا على الشعب لا خادمًا له بمجرد وقوفه على منصة التخرج من كلية الشرطة، فهو سيد على كل من أدنى منه حتى أمين الشرطة نفسه، لذا يحاول أمين الشرطة أن يعوض هذا النقص وأن يطلع عين أم المواطن بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وفي الفيديو الذى انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي في مترو الأنفاق يضرب شابًا عشرينيًا حاول تحرير محضر ضد أحد المتحرشين بخطيبته، نلاحظ هذا النقص وهو ينظر إلى الصامتين والصامتات الأحياء منهم والأموات ممن يشاهدون الفتى وهو يتعذب ويهان دون أي رد فعل من أناس اعتادوا على رؤية هذه المشاهد يوميًا، فيهتف فيهم أمين الشرطة محذرًا: فيه إيه يا ولاد العاهرة؟!
(3)
في سيارة الترحيلات، يجلس الشاب الذى قرر أن يتظاهر، والذي في الغالب سيضيع مستقبله، سيحكم عليه ب 3 سنوات، أو 5، أو 7، ولو استطاعوا اعدامه لفعلوا، ولو قدروا على قتله من التعذيب لقتلوه، ينظر له أمين الشرطة ويسأله ساخرًا: وانت بقى كنت بتتظاهر ليه؟ واخد فلوس من الإخوان؟! أصل متحاولش تقنعني إنك بتعمل كده لله يعني؛ المظاهرات دي بتهدم الدولة يبقى إنت أكيد مش بتعمل كده من نفسك وأكيد وراك حد بيحركك!
يحاول الفتى أن يصحح له الخطأ، وأن يوضح له أن التظاهر ليس جريمة، وأنه لم يتظاهر من أجل نفسه فقط، بل من أجل الجميع، ولكن أمين الشرطة لا يصدقه لأنه لم يعرف فى حياته معنى "من أجل الجميع"، وعندما تصل سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة يبدأ أمين الشرطة في ممارسة هوايته المفضلة -التعذيب- ويحاول أن يجبر الفتى على الاعتراف؛ فيعترف الفتى بجريمة لم يرتكبها.
(4)
يتصل به أحد زملائه من أمناء الشرطة.
- بقولك إيه، سيب التعذيب اللى فى إيدك وتعالى بسرعة.
= لا دأنا مقدرش أسيب اللحظة المهمة دى.
- طيب خلص وتعالى عشان عندنا مظاهرة.
= عندما يسمع كلمة "مظاهرة" يبتهج، فهوايته الأخرى قمع التظاهرات، ولكنه يفاجأ عندما يعلم أنه يقصد أن أمناء الشرطة هم من سيتظاهرون.
- انت بتهزر؟ احنا اللى هنتظاهر؟ إنت إخوان ولا إيه؟!
= أيوة احنا بقالنا أد إيه مبناخدش مرتباتنا؛ هو إحنا هنعذب الناس ونبلطج عليهم، ونخطفهم من البيوت ببلاش؟! التعذيب مش ببلاش.
- عندك حق، أنا إيدى وقفت من كتر التعذيب.
(5)
"الحرية لكل سجين. هاتوا إخواتنا من الزنازين"
كان هذا هتاف المظاهرة التي خرجت تطالب بالإفراج عمن تظاهروا ضد عودة القمع، شارك فيها أهالي وأصدقاء المعتقلين، ولكن الشرطة تعاملت معهم بقسوة وفرقتهم بالخرطوش والغاز وأصابت العديد منهم بالرصاص الحي، واعتقلت منهم أعداد كبيرة، حتى أنهم لم يفرقوا بين الشباب والبنات في موجة الاعتقالات. وهكذا كلما رأينا مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين تعتقل الشرطة أغلب من فيها.
(6)
اقتحم نحو 2000 من أمناء الشرطة مديرية أمن الشرقية، وأتلفوا المكاتب ومنعوا وصول المسؤلين مكاتبهم وهتفوا ضد وزير الداخلية: "ارحل بقى ياعم خلى عندك دم" الهتاف الذى من أجله اتهم شباب الثورة بالعمالة والخيانة ونشر الفوضى، وطالبوا بالمساواة بينهم وبين الضباط فى كل شئ، وخاصة فى بدل المخاطر والعلاج فى المستشفيات، طالبوا أن يصيروا أسيادًا فى نفس درجة أسيادهم، لأنه لا فرق بينهم فى المجهود، فالجميع يقتل ويخطف ويعذب ويعتقل، فلماذا لا يوجد عدل بينهم؟!
هتف أعداء الهتاف، وتظاهر من يقمع التظاهرات، ونجحوا فى الاعتصام، بل واقتحموا مقرًا حكوميًا، ولم يجدوا وسيلة أخرى من أجل رفع كفاءتهم في التعذيب والبلطجة سوى التظاهر، ولكن الشرطة لم تتعامل معهم كما تتعامل مع أى متظاهر آخر، لأنهم فى النهاية  شاربين ساحلين ضاربين معذبين مبلطجين مع بعض.
(7)
يجلس مع رفاقه فى الزنزانة التي سيقضي بها سنوات ويلقي أبياتًا يحفظها كما يحفظ اسمه:
يا عم الظابط انت كداب
واللي باعتك كداب
مش بالذل حاشوفكم غير
ولا استرجى منكم خير
انتم كلاب الحاكم
واحنا الطير
انتم التوجيه وإحنا السيل
انتم لصوص القوت
واحنا بنبنى بيوت
احنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت
احنا شعبين ..شعبين ..شعبين
الأبيات لعبد الرحمن الأبنوى من قصيدة: الأحزان العادية

إحنا شعبين





ينظر الباشا فى هاتفه ثم ينفخ بملل، يفتح التلفاز ثم يغلقه، يرفع هاتفه مرة أخرى:


أيوة يا سعد. هو مفيش حد اتقبض عليه النهاردة ولا إيه؟!. أصل أنا زهقان شوية وعايز أسلّى نفسى. طيب فكرة حلوة. مع السلامة.
يغلق الهاتف وينظر إلى العصا الكهربائية ثم يأمر بإحضار أحد المساجين، ليمارس هوايته المفضلة ويضع العصا الكهربائية فى مؤخرته.
أيوة يا سعد. كانت فكرة منيلة. خصموا منى شهر عشان كهربت الواد فى.... ضهره. ده ظلم والله مش أول مرة يخصموا منى. اتخصم منى شهرين قبل كده عشان لفقت لواحدة قضية آداب. هو مفيش غيرى؟! دى الوزارة كلها بتعمل كدة!
(2)

اسمه محمود محمد، يبلغ من العمر 18 عامًا، ولكنه يفكر كما الإنسان. له رفاق صغار عذبتهم الشرطة، لم يضع عصا كهربائية فى مؤخرة من عذبوا رفاقه. ولم يعتد على أقسام الشرطة. ولكنه فى 25 يناير 2014 ارتدى تيشيرت مكتوب عليه (وطن بلا تعذيب). ولكن كيف يجروء على ذلك؟! إنها وقاحة. كيف تطالب بوقف التعذيب يا خائن يا عميل؟! ولأنه حاول أن يفسد على الباشوات هوايتهم المفضلة فاعتقلوه. يقضى الآن 18 شهرًا على ذمة التحقيق. لأن إخوتنا فى النيابة مازالوا يدرسون مدى خطورة كلمة (وطن بلا تعذيب) على مجتمع الباشاوات.
(3)

يجلس أحمد موسى على الكرسى المريح ببدلته التى يكفى سعرها لزواج شاب وفتاة من أبناء الشعب. يتهم من لا يقدر على شراء شقة للزواج بالعمالة والخيانة والتمويل. ثم  يظهر على الهواء يسب هذا ويلعن أبو اللى جاب هذا، يطالب بإعدام فلان واعتقال عِلّان، وعندما يقرر أحد المتضررين رفع قضيه عليه فيحكم على أحمد موسى بالسجن عامان، ولكنه يسافر مع السيسى إلى ألمانيا بكل سهولة ويعود ليحكم له قضائنا الشامخ ببرائته. فيظهر من جديد ليكمل ما بدأه من سب وردح وتحريض.
(4)

أثناء فض رابعة العدوية تناشد الشرطة المصورين الصحفيين بتغطية أحداث الفض. فيستجيب المصور الصحفى محمود أبو زيد شوكان. ولكنه تناسى أنه لا يملك سوى جنسيته المصرية. يتم اعتقاله هو وصحفيين بريطانيين. فتفرج الداخلية عن الأجانب فى نفس اليوم ويستمر شوكان فى السجن ليقضى ما يقرب من 700 يومًا على زمة الحبس الاحتياطى. (زيه زى أحمد موسى بالظبط)!
(5)

هوايته قنص العيون. حتى أن أحد جنوده أثنى عليه بعدما فقأ عين أحد المتظاهرين فى شارع محمد محمود. يقف أمام القضاء كأى مواطن بسيط غلبان ثم يحكم عليه بالسجن 3 سنوات. فيتقدم بنقض على الحكم ويحصل على البراءة. فيعود لعمله من جديد لأنه لم يفعل شيئًا سوى قنص العيون (بسيطة يعنى) ثم يتعاطف معه المستشار محمد ناجى شحاتة لأنه كما تعلمون تغلب عليه إنسانيته بل ويدافع عنه كما يدافع عن جميع المتهمين ويقول (ده ضابط غلبان ميقصدش إن الطلقة تيجى فى عيون المتظاهرين. كان بيفرقهم بس).
(6)

فقد بصره أثناء مشاركته في جمعة الغضب، اسمه محمد دومة، خرج فى ذكرى الثورة ليشارك فى إحيائها، فإذا بالأمن يعتقله ويتم التحقيق معه أمام ضباط أمن الدولة وهو معصوب العينين اللتان فقداهما فى الثورة، ويتهموه بقطع الطريق والاعتداء على الشرطة وتكدير السلم العام. فلا فرق بين محمد دومة وقناص العيون. القانون يتطبق على الجميع(هو أحسن من الباشا فى إيه؟!).

(7)

أعلم أن هناك عددًا لا بأس به يسبنى الآن بأبى وأمى وعائلتى، فكما تقول الكاتبة إليف شافاق (هكذا هى الحياة، عندما تخبر أحدهم الحقيقة يكرهك) ولكن اسمح لى يا عزيزي أن أجعلك تكرهنى أكثر، وأذكرك بالصورة التى نشرتها الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والتى توضح الفرق بين طعام الباشاوت والعساكر.


دعك من أن اللحوم والخيرات التى لا حصر لها وضعت أمام الضباط ليأكلوها، وبأن العساكر اكتفت بأن تشم رائحة اللحوم دون أكلها، وأنظر إلى الكراسي التى يجلس عليها الضباط، والكراسى التى يجلس عليها العساكر.


دعك من الكراسى. لماذا يجلس الباشوات على مائدة والعساكر على مائدة أخرى مع أن الداخلية كتبت فوق الصورة (قام السيد اللواء / مدير أمن بورسعيد بتناول وجبة الإفطار مع أبنائه المجندين بإدارة قوات الأمن)؟! فهل يجلس الأب على مائدة والابن على مائدة أخرى؟! وهل يأكل الأب من طعام ويحرم أبنائه منه؟!
هل تعلم أن الداخلية تسمح بدخول التلفاز والراديو والجرائد والمجلات للمساجين الجنائيين وتمعنهم عن المعتقلين فى قضايا تظاهر؟!
بلاش دى، فى ظل الوضع الحالي ربما يرتكب أحدهم جريمة قتل ويحكم عليه بالسجن، ولكن تبقى له فرصة النقض والحصول على البراءة. بينما هناك من يقوده حظه إلى أن يسير بجوار مظاهرة فيحكم عليه 15 عامًا، ولا يسمح له بالنقض بناء على قانون مكافحة الإرهاب الجديد!
أعلم أنك ما زلت تسبنى :)

رمضان جانا.. فى الزنزانة






قضيت شهر رمضان الماضي بين جدران السجون، كان شهرًا قاسيًا ولم يكن كريمًا كعادته، كنت أفكر دائمًا فى أمي، أتخيلها تبكي على مائدة الإفطار، تمتنع عن طعام السحور، وجهها شاحب.
شهر رمضان سبب فى فرحة الجميع عدا ساكنى الزنازين؛ فأول ليلة من شهر رمضان يكسو الحزن كل شئ، يكسو الوجوه والقلوب والعقول؛ يكسوالجدران!
هذا يفكر فى أمه وأبيه، وهذا فى زوجته وأولاده، وذاك يبكي على فراق محبوبته، وأطفالاً يتمنون الخروح للعب كرة القدم فى رمضان كما اعتادوا!
فى غير رمضان كنا جميعًا نفرح بوقت الزيارة التى لا تتخطى 15 دقيقة كل 7 أيام، وفي رمضان نحزن عندما يأتى وقت الزيارة لمعاناة أهالينا الذين ينتظرون موعد زيارتهم خارج أسوار السجن من بعد الفجر وهم صائمون؛ ينتظرون أكثر من 6 ساعات!
شهر رمضان خارج الزنازين ملئ بالفرحة وبصوت عبد المطلب "رمضان جانا وفرحنا به" وداخل الزنازين تسمع أصواتًا ساخرة ممزوجة بحشرجة يلمؤها الحزن تغنى "رمضان جانا .. فى الزنزانة" ثم يضحكون بجنون؛ ليواجهوا اللامبالاة والظلم، يضحكون لأنهم يعلمون أن فى الليل لن ترحمهم دموعهم.
خرجت من السجن"حمدا لله" ولكنى تركت ابتسامتى المعتادة هناك؛ حيث ينام رفاقًا ظلمهم النظام الحالي وأضاع أعمارهم.
خرجت ولكن المستقبل مازال مسجونًا.
أتذكر "عبدالقادر زايد" طالب أولى هندسة الأزهر الذى ترك حياته بمحافظة البحيرة وانتقل إلى القاهرة ليحقق حلمه وحلم أسرته فى أن يصير مهندسًا. ولكن الداخلية قتلت أحلامه واعتقلته وهو فى طريقه لأداء أول امتحان له يوم 28 ديسمبر 2013، لن أنسى حكاياته عن أمه التى لم يرها منذ اعتقاله لعدم قدرتها على السفر للقاهرة لأنها مريضة. وعن أبيه الذى أصيب بمرض فى القلب حزنًا عليه وعلى ضياع مستقبله!
لم يستطع "عبدالقادر" توصيل صوته عندما أضرب عن الطعام في 9 سبتمبر 2014. وقتها كان يتعلق بالأمل.
فى رمضان الماضى كتب"عبد القادر"هذه الكلمات:
"أنا المصلوب في زنزانه وسألوني مالك؟
قلت ماليش
أنا الغرقان فى كوب مية
انا الزاهد كما الدراويش
أنا الضحكة و الأحزان
أنا البحر اللي عاش يروي
ومات عطشان.
أنا عنوان بلا موطن
أنا موطن بلا عنوان."
يقضى "عبدالقادر" شهر رمضان للمرة الثانية بين جدران السجون بدلاً من قضائه بين مدرجات كليته.
قرر عبدالقادر تأجيل حلمه ولم يؤد امتحاناته لمدة عامين، فقد اعتقل وهو يبلغ من العمر 18 سنة ولكنه الآن يبلغ من العمر 20 عامًا !
حُكم على "عبدالقادر" بالسجن المشدد 7 سنوات وبالمراقبة 5 أعوام.
والسجون مليئة بآلاف "عبدالقادر" ممن لا نعلم عنهم شيئًا وممن سيقضون شهر رمضان فى ظلمات السجون.

موضوعات متعلقة:

ترحيلات الموت

نعلم أنك بريء ولكن..


السجون في الصيف


اللى ليه حق يجيلنا



رسم أحمد عبده
مصر العربية




لو كان الأديب الروسى "ماكسيوم جوركى" مصريًا يعيش فى وقتنا الحالى ما قال مقولته الشهيرة "خُلقنا لنعترض" وربما قال"خلقنا لنختفى"

انتشرت فى الفترة الأخيرة حالات الاختفاء القسرى والاعتقال من المنازل فجرًا والخطف من الشوارع؛ وعُدنا لعهد "مبارك" بل إننا إن قلنا عدنا لعهد مبارك فإننا نكذب على أنفسنا، ففى عهد مبارك القمعي لم نسمع أن البنات تُخطتف من بيوتهن علانية، كما حدث مع "داليا رضوان" التى اختطفتها قوات الأمن من منزلها بالإسكندرية فجرالأحد 31 مايو 2015 (تم الإفراج عن داليا أثناء كتابة هذا المقال)، و"إسراء الطويل"ورفيقاها عمر محمد و صهيب سعد الذين اختطفوا فى محيط قصر النيل أثناء ذهابهم للعشاء يوم الاتنين 1يونيو 2015 وإلى الآن لا يعلم أحد مكان إحتجازهم ولا أسباب الإحتجاز!
كما لم يسلم الطلاب من الاختفاء القسرى والتصفية، فمعظمنا على دراية بقصة اختطاف  طالب الهندسة"إسلام عطيتو " من أمام  كليته بعد إنتهائه من أداء الامتحان، وتعذيبه وقتله على يد قوات الأمن.

أما الآن فالداخلية تحاول صناعة "عطيتو" جديد واختطفت طالب كلية هندسة بجامعة حلوان "أحمد خطاب"  من بيته فجر السبت 30 مايو2015، وهناك أخبار تؤكد وجوده بمقر أمن الدولة بأبي النمرس وتؤكد تعرضه للتعذيب، وإلى الآن لم يتم عرضه على النيابة.

حتى الأطفال لم يأمنوا بطش النظام الحالى  فالطفل"بلال محمد حسن" ذو ال16عاما أعتقل يوم29 مايو2015 بعد مداهمة منزله ولا تعلم والدته مكان إحتجازه إلى الآن. فقصص الخطف والإعتقال لا نهاية لها.
نتحدث  هنا عن حالات خطف علنيّة  ممنهجة تقوم بها أجهزة النظام  دون مراعاة  لدستور النظام الذى ينص فى المادة 45 على "إلتزام أجهزة الأمن بإبلاغ المحتجز فورا بأسباب إحتجازه وحق إبلاغ محاميه أو أسرته وتحويله لجهة تحقيق خلال 24ساعة".
صدًعتنا "وزارة الداخلية" ليلا ونهارا فى وسائل الإعلام عن عدم وجود معتقلين فى مصر، رغم أن الاعتقال ماهو إلا احتجاز الأفراد في قضايا دون دليل، أو احتجازهم  للإشتباه بقيامهم بأعمال مخالفة للقانون ولكن عملية الاحتجاز غير قانونية،أو احتجاز شخص ما بسبب فكره أو معارضته للنظام.
ولدينا قصص احتجاز دون قضية ولفترات طويلة وفى أماكن غير معلومة، ناهيك عن من لُفّقت لهم قضايا كارتونية فوجدوا أنفسهم يقضون فى السجن عامان"حبس احتياطى"دون إحالة للقضاء.
تقول وزارة الداخلية  "اللى ليه حق ومش عارف ياخده يجيلنا" ولا أراها إلا مصيدة فهم يعتقلون كل من طالب بحقه أو كان يطالب بحقه يوما من الأيام، بل يعتقلون أهله وأصحابه أيضا  كما حدث مع "نور خليل" الذى أعتقل ووالده وأخيه بعد تغمية أعينهم وفى النهاية وجد "نور" نفسه فى الصحراء بعد تعذيبه ولكن من دون والده وشقيقه  وما زالا فى مكان غير معلوم حتى كتابة هذه الكلمات؛ فما مصير من أصابه الجنون وجائكم بنفسه ليطالب بحقه؟! "سيأخذ حقه، أم سيأخذ أشياءً أخرى؟!

***



النظام الحالي يثق تمامًا فى آلة القمع التى يستخدمها ضد الجميع؛ ويعتقد أ

نها ستحميه من المسائلة ويتناسى دروس التاريخ التى لو تعلم منها شيئًا ما فعل ما يفعله الآن.

فلينظر النظام إلى الجنرال الأرجنتيني السابق خورخي فيديلا  الذى حكم الأرجنتين بعد الانقلاب العسكرى 1976، والذى حكم عليه  بالسجن مدى الحياة مرتين بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية وبالسجن 50 عاما بسبب اختطاف أطفال معارضين؛ فرغم أن  تلك الجرائم التى ارتكبها ونظامه العسكري الاستبدادي كانت من عام 1976 حتى عام 1981؛ إلا أنه سجن عام 2008 وانتهى به الحال بالموت فى سجنه فى عام 2013.


تعلموا من التاريخ ولا تستبعدوا أن تسجنون يوما فى سجونكم التى بُنيت بأيديكم.