‏إظهار الرسائل ذات التسميات التعذيب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التعذيب. إظهار كافة الرسائل

نعم لإغلاق مركز النديم.. التعذيب هو الحل !

AP
طبيب مصري يتظاهر احتجاجا على تجاوزات الشرطة بحق زملائه


لم نعد نتعجب من الأشياء العجيبة، لذا يطلق على بلادنا "بلاد العجايب"، نتعجب من الأشياء العادية التي لا تدعو للتعجب أبدًا، فمثلًا نتعجب أن فنانًا يمشي مثل الناس عادي، ولا نتعجب عندما يمشي على رقاب الناس، نتعجب لو رأينا رئيس الدولة يركب دراجة، ولا نتعجب عندما يركب المواطنين.

في بلادنا لا داعي للتعجب من إغلاق مركز النديم الذي يعمل على تأهيل ضحايا وتشميعه بالشمع الأحمر، فلم التعجب وقد شمّعوا بنفس الشمع مكتبات الكرامة المعنية بتثقيف الفقراء؟


لماذا تشعر بالمفاجأة في كل مرة يحدث فيها شئ عجيب؟! هكذا سألت نفسي عندما أغلقت السلطة مركزًا يعالج ضحايا التعذيب.


لماذا تشعر بالمفاجأة في كل مرة يحدث فيها شئ عجيب؟!
هكذا سألت نفسي عندما أغلقت السلطة (سلطة الحكم، لا الخضار) مركزًا يعالج ضحايا التعذيب، ويدعو للتوقف عن التعذيب، ويرصد أرقام التعذيب منذ العهد المباركي الذي لم ينته بعد. وقلت لنفسي أن علي أن أتعجب فقط من كوني ما زلت أتعجب!

إن رجلًا حلم بأن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فتوة يمشي بين الناس فاردًا عضلاته وخرطوشه وغازه المسيل للدموع أو المسيل للتخلف، يحصل على رشوة من هذا ويتوسط من أجل ذلك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء؛ عندما تتحقق أحلامه بفضل أقاربه ويلتحق بوزارة الداخلية لا بد بالتأكيد أن يفعل كل ما في وسعه لإغلاق مركز النديم الذي يعالج ضحاياه. ليس من العقل أن يشاهد مجهوده في التعذيب يضيع هَبَاءً مَنْثُورًا، بسبب مركز تقوده مجموعة من المناضلات.

التعذيب لدى الدولة إدمان، ولعلك عندما تقرأ بعض الأخبار عن التعذيب ستدرك هذا؛ هل قرأت مثلًا ما نشرته منظمة "العفو الدولية" عن طفل يدعى "مازن محمد عبد الله" يبلغ من العمر 14 عامًا، تعرض للاغتصاب والتعذيب والصعق بالكهرباء في أعضائه التناسلية، وإدخال عصا في مؤخرته، في قسم شرطة، لإجباره على الاعتراف بالتظاهر بدون تصريح والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.

وهل ما زلت تذكر أو سمعت سابقًا عن جريمة التعذيب التي وقعت في عام 2006 للسائق"عماد الكبير" التي لن يمحوها التاريخ أبدًا؛ فالسائق قد أُغتصب في قسم شرطة بولاق الدكرور، حتى أن جريدة معروفة بـ التطبيل للنظام قد كتبت صراحة عن القضية؛ ومما قالته "بعد تفشي ظاهرة جرائم تعذيب المواطنين من قبل رجال الشرطة داخل الأقسام سادت حالة من فقدان الثقة بين المواطنين ووزارة الداخلية، وتعددت الأحكام التى صدرت بحق رجال الشرطة فى مثل هذه القضايا، وأشهرها قضية سائق الميكروباص عماد الكبير، التي تعود وقائعها إلى 20 يناير 2006، والتى سجن على إثرها الضابط إسلام نبيه وأنهى مدة عقوبته منذ ما يقرب من شهر، ليعود السؤال مجدداً هل ينتقم الضابط المفرج عنه من عماد الكبير؟"

لدي أرشيف صغير عن أخبار التعذيب، سأطلعك على أقل 1% منه كيف تحاول مثلي ألا تتعجب من العجائب مرة ثانية وأن تدرك أن التعذيب إدمان لن تتخلى عنه السلطات (المصرية لا الخضراء) برضاها أبدًا.

* قام ضابط شرطة بقسم المنصورة بإجبار مواطن على تقبيل حذاءه وإدخال العصا في مؤخرته بعدما ربطه من قدميه وأمر أمين الشرطة "محمد فرج" بتصويره عاريًا (2007).

* قال الطفل "عنتر محمد أبو زيد" أن رئيس المباحث محمد مصطفى الضبش. ومخبرًا يدعى منصور و2 من أمناء الشرطة قاموا بضربه وتجريده من ملابسه وهتك عرضه ومنع الطعام عنه لمدة يومين وقاموا بصعقه بالكهرباء لمدة 6 ساعات متواصلة بعد إلقاء الماء على جسده (2007).

* ضابط بقسم أول المنصورة يضع سيخ حديد في مؤخرة مواطن يدعى "عادل عبد السميع" (2008).

* ضباط شرطة بمديرية أمن كفر الشيخ يجبرون 5 متهمين على ممارسة الشذوذ، حيث وردت للنيابة شكاوى من 5 مراهقين اتهموا فيها كل من الملازمين سعد أحمد سعد وفؤاد محمود سعداوي بالتعدي عليهم وهتك عرضهم (2008).

* ذكرت صحيفة "الجارديان" أن ضباط شرطة قسم ثان مدينة نصر هتكوا عرض الطالب الأزهر "عمر الشويخ" البالغ من العمر 19 عامًا، بعد إلقاء القبض عليه في 24 مارس (2014).

* أمين شرطة يغتصب فتاة معاقة ذهنيًا داخل قسم إمبابة.. الجرائد المصرية (2014).

* تقدمت المواطنة "حورية حسن المتولي" ببلاغ لنيابة رأس البر حمل رقم 1396 لسنة 2014 تتهم فيه أمناء قسم شرطة رأس البر واقتيادها إلى القسم ومحاولة اغتصابها لولا أن حال العذر الشرعي دون ذلك.. مصر العربية (2014).

* خصم شهر من راتب ضابط وضع العصا الكهربائية في مؤخرة متهم، يذكر أن الضابط خصم من راتبه شهرين بسبب تلفيقه قضية آداب لسيدة.. اليوم السابع (2015).

* إخلاء سبيل ضابط الأميرية المتهم في تعذيب «مجدي مكين» الذي تم تعذيبه حتى الموت وأفادت أسرته في تصريحات صحفية أنه ضباط الشرطة وضعوه على فحم وسحلوه بدون ملابس (2017)

* نشر مركز النديم تقريرًا عن فترة حكم السيسي من 2014 حتى 2016 ذكر فيه أن 1083 شخصاً قد قتلوا على يد رجال الأمن خلال العامين، وأن 239 شخصاً توفوا في أماكن الإحتجاز، وبلغت حالات من قتلوا نتيجة التعذيب أثناء الاحتجاز، أرقامًا مخيفة وصلت إلى 915 شخصًا. ناهيك عن أرشيف التقارير الهامة التي أصدرها المركز منذ نشأته في عام في 1993؛ والتي إذا اطلعت عليها لوليت من بلدنا فرارًا ولملئت من وزاة الداخلية رعبًا.

حتى لا تتمادى في تعجبك مثلي من إغلاق مركز يناهض التعذيب ويعالج ضحاياه؛ دعني أخبرك أو أذكرك بما حدث مع المحامي الحقوقي نجاد البرعي و القاضيين عاصم عبد الجبار وهشام رؤوف، فقد تقدموا بمشروع لمكافحة التعذيب بمشاركة خبراء قانونيين ومستشارين، وبعد أن أرسلوا نص مشروع القانون إلى وزارات الدولة المعنية، ومنها  وزارة العدل، فضلاً عن إرساله لرئاسة الجمهورية، للنظر في إصداره، فوجئوا بمحاكمتهم جميعًا، كما تعرض المحامي نجاد البرعي لتضييقات أمنية آخرها منعه من السفر خارج البلاد في يناير 2017.

بالمناسبة النيابة لم تبال بشأن من تعذبوا ولم تجري تحقيقًا سريعًا في مجموعة بلاغات تقدمت بها المجموعة المتحدة خلال عام ونصف وصلت حوالي 163 بلاغًا حول 465 حالة تعذيب داخل أماكن الاحتجاز، ولم تتعامل مع البلاغات بنفس السرعة التي تعاملت فيها مع من قدموا مشروع مكافحة التعذيب.

وكي تتوقف عن تعجبك وأحاول معك التوقف بشكل نهائي  عن التعجب من أي شئ عجيب قد يحدث في هذا البلد، فإليك بعض ما يقدمه مركز النديم الذي شمعته (السلطة) المصرية:

- يقدم خدمات تأهيل نفسي لضحايا التعذيب من دون مقابل.

- يقدم دعم قانوني لمن لا سند لهم.

- يوفر أخصائيين نفسيين وتحاليل وفحوصات خارج المركز حال عدم توافرها في الداخل.

- يناضل من أجل الحصول على حقوق من تم تعذيبهم برفع قضايا تعويض.

- رغم أنه مركز مصري إلا أنه ساعد في تأسيس المجموعة السودانية المناهضة للتعذيب.

- يناضل في التصدى للعنف ضد المرأة؛ وقدم دعم نفسي واجتماعي لمئات السيدات ممن تعرضن للتعذيب أو العنف المنزلي أو الاغتصاب؛ مصريات وغير مصريات.


نعم لإغلاق مركز النديم وتشميعه بالشمع الأحمر حتى لا يضيع مجهود الشرطة في التعذيب هباءً منثورًا !


- يساعد في التدريب على التأهيل النفسي لضحايا التعذيب والاغتصاب، لنشر التوعية.

- يعد المركز ذراع إعلامي للضحايا، فينشر شهادات من تعرضوا للتعذيب لا سيما إن لم تجد هذه الرسائل مكانًا لنشرها في الصحافة.

- نشرت مناضلات مركز النديم بعد تشميعه أرقام هواتفهن على وسائل التواصل الاجتماعي ليتواصل الناجين والناجيات من التعذيب أو العنف أو أهالي المختفين قسريًا معهن  وهن "دكتورة منى حامد، دكتورة رغدة سليط، دكتورة عايدة سيف الدولة، دكتورة سوزان فياض، دكتورة ماجدة عدلي".

نعم لإغلاق مركز النديم وتشميعه بالشمع الأحمر حتى لا يضيع مجهود الشرطة في التعذيب هباءً منثورًا.

الدول لا تُبنى بإخفاء الناس

الاختفاء القسري (كارلوس لاتوف)


"ترددت كثيرًا قبل الكتابة ونصحني بعض الأصدقاء بعدم الكتابة، لكن بعد تفكير عميق وجدت أن الشخص الذي أخشى عليه من الكتابة لا يمكن أن يصيبه مكروه أكثر مما أصابه؛ أثناء فترة اختطافي فى إحدى مقرات أمن الدولة التى لا أعلم مكانها إلى هذه اللحظة لأني كنت معصوب العينين، قابلت حينها فتى يدعى "محمد عبدالحميد محمد" من محافظة الشرقية، هذا الفتى قد اختطف منذ فض اعتصام رابعة العدوية، ولم يتم عرضه للمحاكمة إلى الآن، ولا تعلم أسرته مكان احتجازه، ولا هو نفسه يعرف مكان احتجازه؛ صعقت من سؤاله عندما سألني عن التاريخ اليوم؛ ولم يسألني كم الساعة اﻵن كباقي البشر، وعندما أخبرته بأننا يوم 2 أغسطس 2015 سمعت صوت بكائه الشديد، ولم أستطع الحصول منه على أي معلومات سوى اسمه وعنوانه، برجاء احفظوا هذا الاسم جيدًا؛ محمد عبدالحميد محمد"
منقول بتصرف عن الشاب "مازن شريف" الذى اختطفته أمن الدولة فى احدى مقراتها بشكل غير قانونى، ولكن كتب الله لهذا الشاب النجاة ليخبرنا أن هناك حالات اختفاء قسري قد تخطت فترة اختفائها العامين وكى يعطي الأمل لأهالي من ظنوا أن أبنائهم المختفين قد قتلوا.


* جائتني رسالة عبر البريد الإلكتروني من شخص يستغيث بالكتابة من أجل إنقاذ أسرة كاملة، محتوى الرسالة يفيد بأن شقيقين من أسرة واحدة قد اختطفتهما قوات الأمن يوم 15 مارس الماضي من محل الملابس الذي يعملان به فى شارع الشواربى بوسط القاهرة، وهما "محمد البدري رمضان وخالد البدري رمضان"، واختطفت أيضًا أحد العمال بالمحل ويدعى "على حسب الله على"، وأن الجيران عندما سألوا الذين وضعوا الثلاثة فى سيارة ميكروباص عن هويتهم أخبروهم بأنهم جهة أمنية ولن يسمحوا لأي شخص بالتدخل وإلا أخذوه معهم، وإلى الآن لا نعلم أين مكانهم ولا نعلم هل ما زالوا على قيد الحياة أم لا؟! وإن كانوا على قيد الحياة فكل ما نريده هو محاكمتهم بشكل طبيعي أمام القضاء.
* استغاثت أسرة المواطن "محمد عبدالستار حافظ" الذى يعمل محاسبًا بأحد البنوك بمنظمة - هيومان رايتس ووتش - بعد اختطافه من قبل قوات الأمن يوم 12 أغسطس 2015 من الشارع، وأفادت الاستغاثة بأن قوات الأمن اقتحمت المنزل بعد اختطافه وحطمت محتوياته.
* أما "إسلام خليل" الذي كتبت عنه مرات عديدة، ولن أمل الكتابة عنه حتى يحين ميعاد ظهوره، فإسلام قد اختطف من منزله يوم 24 مايو 2015 وإلى لم يتم عرضه للتحقيق، ولا يعلم مكانه إلا الله وجهاز الداخلية، يذكر أن شقيقه الذي اختطف معه وكتب له النجاة كما كتبت لوالده الذي اختطف معهما، قدّم عشرات البلاغات للنائب العام، ولكن البلاغات لم يتم التحقيق فيها إلى الآن.
***
1 - حدثنا السيسي عن أهمية الدستور قائلًا: الدستور قد كتب بنوايا حسنة ولكن الدول لا تبنى بالنوايا الحسنة! وهنا يجب أن نتساءل هل تبنى الدول بالنوايا السيئة؟ هل تبنى باختطاف الناس من البيوت والشوارع وأماكن العمل ثم إخفائهم وتعذيبهم؟!
فالرجل يصرح بشكل واضح بأن هذا الدستور يجب أن "نبله" ونشرب ميته. فالدستور يمنع احتجاز الناس دون دليل ويمنع احتجازهم فى أماكن غير معلومة وغير مختصة للاحتجاز، وينص على أن المتهم يجب أن يتم التحقيق معه أمام النيابة خلال 24 ساعة. ولكن ما فائدة كل هذه الكلمات المعسولة مادامت حبر على ورق؟ وما دام من يحكم البلاد يرى أن الدستور قد كتب بالنوايا الحسنة وأن النوايا الحسنة لا تبنى الدول؟!


2 - بات من المعلوم أن أعضاء المجلس القومى لحقوق الإنسان -إلا من رحم ربي ممن اعترضوا على بيان المجلس- ليس إلا بوقًا من أبواق النظام الحالي، يدافع عنه، يبرر له انتهاكاته ضد المواطنين، فكم من شكاوى قدمها أهالي مختطفين ومعتقلين ومعذبين للقومى لحقوق الإنسان دون فائدة ودون نتيجة؟! وليس هناك دليل على عدم جدوى هذا المجلس أكثر من استغاثة أهالي أحد المختفين قسريًا بمنظمة هيومان رايتس ووتش وتجاهل ما يسمى بالمجلس القومي؛ فوجود المجلس القومي لا يفيد إلا النظام ولا يضرّ إلا المواطن الذي يتعرض للظلم والانتهاك فيطل علينا المجلس ببيان ينفي الانتهاكات بكل بساطة. كما أن القاضي محمد ناجي شحاتة قد رد على أحد المتهمين الذى اشتكى له من انتهاكات يتعرض لها داخل سجن العقرب قائلًا: "مش البتاع اللي اسمه القومي ده زاركم وقال مفيش حاجة؟!" كما نقل لنا المحامي الحقوقي مختار منير الذى كان حاضرًا فى جلسة المحاكمة.


3 - النيابة لا تحقق بشكل فوري إلا فى البلاغات المقدمة من أحد رموز النظام السابق أو الحالي ضد أى شخص تربطه علاقة بالثورة، ولكن إن تعرض أحد المواطنين للظلم كما أن تعرض إسلام خليل فلن يتحرك لها ساكن، بالإضافة إلى أن النيابة تشارك بشكل رسمي فى اختطاف الناس دون وجه حق. فماذا قدمت النيابة لإسراء الطويل التى تم اختطافها أكثر من 15 يومًا فى مكان غير معلوم سوى أنها دائمًا تأمر بحبسها بشكل مريب؟! فالنيابة لم تفكر حتى فى محاسبة المسئول عن اختطاف إسراء ورفيقاها عمر وصهيب؛ بل إنها لم تفكر فى العصا الذي تتوكأ عليه، ولم تفكر فى أنها قد تصاب بالشلل من جديد!


4 - هناك من تم احتجازه فى أماكن غير معلومة لفترة تجاوزت العامين، وهؤلاء من الراجح أنهم يتعرضون للتعذيب بشكل يومي وإلا فلما يخفونهم عن الأنظار؟! أما وجود شهادات صادقة وأدلة واضحة حول اختفاء المئات منذ عامين يجعلنا نفكر مائة مرة فى تصريحات وزارة الداخلية الكاذبة، والتي لا يقتضي العقل تصديقها، فدائمًا نجد أن الداخلية تنكر الاختطاف والتعذيب والتلفيق والبلطجة على خلق الله، ولكن بماذا يفيد الإنكار إذا كنا نحن من نتعرض للاختطاف والتعذيب والتلفيق والبلطجة؟!


5 -الاختفاء القسري ليس إلا أسلوبًا من أساليب صناعة إرهابي بدرجة امتياز، فماذا تنتظرون ممن لا أثر لهم؟! وممن يتعرضون للتعذيب بشكل ممنهج لفترات طويلة؟! هل تنتظرونهم علماء ذرة مثلًا؟! أم صناع قنابل بدائية الصنع من أجل الانتقام منكم ومنا؟!
***
كثيرون هم من يتساءلون عن جدوى الكتابة؟ وأنا منهم، ولكنى أؤمن بأن الكتابة لها جدوى، على الأقل من أجل هؤلاء المختفين قسريًا وغيرهم ممن يتعرضون للظلم، فالكتابة سلاح يفضح جرائم الحكام ويزعجهم، وعندما نبحث فى كتب التاريخ  نلاحظ أن أى ديكتاتور حاول تثبيت ديكتاتوريه فأول خطوة كان يخطوها هي الاستحواذ على وسائل الإعلام، حتى فى العصور الجاهلية كان الشعراء المقربون من الملوك يمدحونهم بشكل مبالغ من أجل التقرب منهم والحصول على هدايا الملوك. فلا تتركوا الكتابة للمنافقين. ولا تجعلوا الساحة فارغة لمن يرقص ويطبل ويطالب بتعليق المشانق للشعب وبذبح كل من له مطالب مشروعة.

مبروك.. أخوك فى السجن


أزهى عصور الكذب



بوستر حملة "عسكر كاذبون"

مصر العربية



عندما تفشل الحكومات فى تقديم خدمات مرضية للمواطنين، فى الغالب تعترف بفشلها أو تقدم استقالتها، ففى 2004 تقدم رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى "ميشال جوتوديا" باستقالته لاتهامه من المجتمع الدولي بعدم التصدي لأعمال العنف. ولم يدّعى أن بلاده خالية من العنف حتى لا يُكتب عند شعبه كذّاباَ.
في 2010 أعلن رئيس الوزراء الياباني "يوكيو هاتوياما" استقالته من منصبه بعد 9 أشهر من الحكم لفشله في الوفاء ببعض الوعود التي قطعها للناخبين خلال حملته الانتخابية، وطبعًا لم يُحدِث شعبه عن إنجازاتٍ وهمية ومليارات ستدفق بشكل غير مسبوق، لأن الشعب اليابانى لن يقبل بمثل هذه التفاهات.
في 2014 تقدم رئيس وزراء كوريا الجنوبية "شونغ هونغ" باستقالته على خلفية غرق عبارة، وقدم مع استقالته اعتذارًا لشعبه عن عدم استطاعته منع الحادثة، ولكن شعبه لم يقبل الاعتذار، ومع هذا لم يستخف وقتها بعقول المواطنين، ولم يدل بتصريحات من نوعية "جارى التحقيق مع المسئول" لعلمه بأنه المسئول.
أما فى مصر، فى ظل نظام جديد قديم، قائم على الكذب، نعيش أزهى عصور الكذب، والذي يجب كشفه بتشغيل العقل الذي خلقه الله تعالى لنفكر به، لا لنبرّر به فشل الحكومات.


* فى إبريل الماضى أصدر المجلس القومى لحقوق الإنسان بيانًا يفيد بوجود تعذيب فى سجن أبى زعبل، ولكن اللواء "أبوبكر عبد الكريم" المتحدث باسم الداخلية ومساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان لم يجد أي غضاضة فى الإدعاء بأن العلامات الموجودة على جسد أحد المساجين ليست إلا "وحمة قديمة"، وإلى الآن لم يتمكن العلماء من معرفة الفرق بين الوحمة القديمة والجديدة.
كما أن سيادته أتحفنا فى تصريحه عن وجود تكييف فى أماكن الاحتجاز متناسيًا من يموتون فى السجون من شدة الحرارة، ومتجاهلاً الآلاف خلف القضبان ممن يحكي ذويهم عن معاناة أبنائهم بعد رفض الداخلية دخول المراوح الهوائية للزنازين. كما أن "توفيق عكاشة"، الابن المدلل لكل الأنظمة الديكتاتورية، أكد بعضمة لسانه أن درجة الحرارة فى السجون قاتلة وأنه عانى منها ومن انتشار الناموس.


* بعد اقتحام الآلاف من أمناء الشرطة لمديرية أمن الشرقية وهتافاتهم ضد وزير الداخلية الحالى ومطالبته بالرحيل، وهتافهم "الداخلية بلطجية"، لم تتعامل الداخلية مع هذا الاقتحام بما يتوافق مع قانوني التظاهر والإرهاب، ولم يتم فض الاعتصام بالقوة، وقال اللواء "أبوبكر" أن وقفة أمناء الشرطة لم تخالف القانون لأنها وقفة وليست مظاهرة. وإلى الآن لا يعلم أحد الفرق بين الوقفة والمظاهرة. ولم نجد فرقًا بين مظاهرة أمناء الشرطة وبين وقفة شباب مجلس الشورى، والاتحادية، والوقفة التي قتلت فيها الشهيدة شيماء الصباغ برصاص الأمن، سوى أن أمناء الشرطة اقتحموا مقرًا أمنيًا وحطموا محتوياته، أما الوقفات الأخرى فلم تقتحم ولم ترتكب جرمًا ومع ذلك انتهت بالاعتقال والقتل.
بعد يومين من وقفة أمناء الشرطة هدمت قوات الأمن عشش بعض الكادحين والكادحات من أهالي الدقى، ووعدت الأهالى بتسكينهم فى أماكن بديلة ولكنها لم تفعل، فاعترض الأهالى الذين لم يجدوا مأوى لهم سوى الشوارع، فما كان من الشرطة إلا تعاملت معهم  بشكل عنيف وفرقت وقفتهم بالغاز والخرطوش لأنها مظاهرة وليست وقفة. لتثبت مقولة السيسى الشهيرة: الشعب لم يجد من يحنو عليه.
على كل حال لا يعلم الفرق بين الوقفة والمظاهرة سوى الله ثم سيادة اللواء أبوبكر. وربنا يستر.


* دائما تنكر الداخلية اختطاف المواطنين والمواطنات، ولكن ظهور "إسراء الطويل"  وصديقيها "عمر على" و"صهيب سعد"، بعدما اختطفتهم قوات الأمن من الشارع وأخفتهم كشف لنا الكذب الذي أدمنته وزارة الداخلية، وإكمالًا لمسلسل الكذب بث حسابًا تابعًا للقوات المسلحة على موقع – يوتيوب - مقطعاً بعنوان "القبض على أكبر خلية إرهابية" ظهر فيه "صهيب سعد"، ذلك الفتى الذى اختطفته الداخلية  مع "إسراء الطويل"، وكانت علامات التعذيب واضحة على وجهه، واعترف ببساطة أنه إرهابى ارتكب جرائم ضد الدولة، ولا أدري كيف يظهر أى مخلوق ليقول قتلت هذا واستهدفت ذاك بكل بساطة، إلا إذا أجبر على هذا القول بعد تعذيب لا يتحمله إنسان؟! ولا أدري أيضًا كيف يصدق عاقل تلك الأكاذيب الساذجة (يذكر أن صهيب سعد وعمر محمد قد تمت إحالتهم مؤخرًا للمحاكمة العسكرية)..


* كما أن اختفاء "إسلام خليل" الذي ما زالت الداخلية تحتجزه فى مكان غير معلوم منذ أكثر من ثلاثة أشهر خير دليل على وجود اختفاء قسري بشكل ممنهج ومتعمد. وكانت قوات الأمن قد اختطفت إسلام ووالده وشقيقه واحتجزتهم فى إحدى مقرات أمن الدولة ثم تركت والده وأخيه، وإلى الآن لم يتم التحقيق مع إسلام ولم تفصح الداخلية عن مكان احتجازه.


* لا يخفى على أحد أن مدينة الإسكندرية تحولت إلى -مقلب زبالة- وأن الزبالة صارت جزءًا لا يتجزأ من معالم محافظة الإسكندرية، حتى أن جريدة اليوم السابع المؤيدة للنظام شهدت بهذا فى إحدى تقاريرها، وحتى إن لم تشهد فالشعب يعلم  أن الإسكندرية لم تمر بأيام كهذه الأيام التي امتزجت فيها شواطئ الإسكندرية بالنفايات، إلا أن الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة التطوير الحضرى والعشوائيات أشادت بنظافة الإسكندرية، ففي تصريحها للصحافة قالت: "أشهد بأني لم أر الإسكندرية بهذه النظافة منذ سنوات" وعلينا أن نكذب أعيننا ونصدق الدكتورة ليلى!


* أما وزارة الإسكان، وما أدراك ما وزارة الإسكان، فنجد أن 12 مواطنًا من أسرة واحدة قد وقعت عليهم القرعة – العشوائية - للحصول على أراضٍ متجاورة لبعضها – بشكل عشوائي - حتى أن الرئاسة نفسها لم تصدق وطلبت فتح تحقيق فى تلك الواقعة بعد الضجيج الإع..لامى.


*أما الطالبة المتفوقة "مريم ملاك" التى حصلت على – صفر - فى الثانوية العامة ظلماً، فحاول الدكتور "محب الرافعى" وزير التربية والتعليم الإدعاء بأن الطالبة فاشلة وأنها تستحق صفر، ولكن النيابة العامة كذّبت الوزير وأثبتت أن الكنترول تلاعب بأوراق الطالبة، ثم صرح الوزير بعدها أنه سيقدم اعتذاره لو صحت تحقيقات النيابة، أما كلمة "استقالة" فحذفت من المنهج.
*في كلمة ألقاها "عبدالفتاح السيسي" عن إنجازاته المبهرة أخطأ الرجل وأطلق كلمة "تفريعة" على مشروعه الذي تكلف الاحتفال به نحو 30 مليون دولار – حسب تصريحات الشركة المنظمة للحفل - كما أعلن أن عدد السفن ازداد 15 سفينة، وأدى الازدياد إلى رجوع الـ 20 مليار لخزينة الدولة، ومعنى هذا أن كل السفينة الواحدة من الـ 15 سفينة قد ضخت فى خزينة الدولة أكثر من مليار و250 مليون!


*جهاز الكفتة. وجهاز الكفتة وجهاز الكفتة!


***
علينا أن نقاوم الكذب وألا نستسلم لهراء الحكام، حتى يعلموا أننا لسنا أغبياء بهذه الدرجة التى تجعلنا نصدق ما يقولوه بأفواههم، ونكذب ما نراه بأعيننا، علينا أن نقول الحقيقة مهما كانت عواقبها.. يقول جورج أورويل: "فى وقت الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة عملًا ثوريًا".

التعذيب ليس مجانًا




رسم: كارلوس لاتوف

مصر العربية


(1)
لم يشارك فى الثورة من أجل أن تسيل الدماء، وأن يعود العسكر للحكم من جديد، ويعود اعتقال المعارضين، وأن يمنعوا التظاهر، فأراد أن يثبت وجوده أمام الدولة العميقة والعقيمة، وأن يوصل رسالته ويعترض؛ كما اعترض سابقًا في أثناء الحكم المباركي، وكما اعترض في أثناء حكم المجلس العسكرى، وكما اعترض في أثناء حكم محمد مرسي؛ رفع لافتة مكتوب عليها "لا لقانون منع التظاهر، لا للمحاكمات العسكرية للمدنين".. لم يفكر أبدًا فب استخدام العنف في أقل صوره، فقرر أعداء الثورة وأعداء التظاهر اعتقاله وتعذيبه وحبسه في السجن سنوات بدعوى خرق قانون التظاهر، وبدعوى أن هيبة الدولة يجب أن تبقى فوق الجميع، وحتى لا تحزن "هيبة" حكموا عليه بالسجن المشدد 5 سنوات والمراقبة الأمنية مثلها والغرامة 100 ألف جنيه، ففرحت "هيبة" ونظرت بكبرياء لذلك الفتى الذى هددها واتخذ من السلمية سلاحًا لمواجهة القمع.
(2)
حلم أن يصير بلطجيًا يخشاه الجميع، فُتوّة يتوسل إليه الناس، يحصل على الرشوة من هذا ويتوسط من أجل ذاك، يعذب من يشاء ويسحل من يشاء، وأخيرًا تحقق حلمه وصار "أمين شرطة" بفضل دعاء الوالدين لأحد قيادات الداخلية؛ هوايته "التعذيب" لا يتخيل أن يمر يومًا من دون أن يعذب أي مخلوق، فداء لله والوطن وللباشا "اللي أكبر منه" دائمًا يتقرب إلى الباشا "اللى أكبر منه" باعتقال واختطاف الناس من الشوارع؛ وبإذلال أهالي المعتقلين؛ هو لا يحتاج نقودًا فكل شئ متوفر في السجن بالمجان، وعدد المساجين الذين يدفعون الإتاوة من أجل العيش في زنزانة ليست مزدحمة كفيل بأن يجعله مليونير، بالإضافة إلى المصالح التى يقضيها للناس بعد دفع الواجب.
هو ليس سيد بنفس الدرجة التى وصل إليها سيده الضابط الذي وقف على منصة كلية الشرطة في أثناء تخرجه من الكلية يقول بكل فشخرة "اللي تتمد إيده على سيده تتقطع إيده" معتبرًا نفسه سيدًا على الشعب لا خادمًا له بمجرد وقوفه على منصة التخرج من كلية الشرطة، فهو سيد على كل من أدنى منه حتى أمين الشرطة نفسه، لذا يحاول أمين الشرطة أن يعوض هذا النقص وأن يطلع عين أم المواطن بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وفي الفيديو الذى انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي في مترو الأنفاق يضرب شابًا عشرينيًا حاول تحرير محضر ضد أحد المتحرشين بخطيبته، نلاحظ هذا النقص وهو ينظر إلى الصامتين والصامتات الأحياء منهم والأموات ممن يشاهدون الفتى وهو يتعذب ويهان دون أي رد فعل من أناس اعتادوا على رؤية هذه المشاهد يوميًا، فيهتف فيهم أمين الشرطة محذرًا: فيه إيه يا ولاد العاهرة؟!
(3)
في سيارة الترحيلات، يجلس الشاب الذى قرر أن يتظاهر، والذي في الغالب سيضيع مستقبله، سيحكم عليه ب 3 سنوات، أو 5، أو 7، ولو استطاعوا اعدامه لفعلوا، ولو قدروا على قتله من التعذيب لقتلوه، ينظر له أمين الشرطة ويسأله ساخرًا: وانت بقى كنت بتتظاهر ليه؟ واخد فلوس من الإخوان؟! أصل متحاولش تقنعني إنك بتعمل كده لله يعني؛ المظاهرات دي بتهدم الدولة يبقى إنت أكيد مش بتعمل كده من نفسك وأكيد وراك حد بيحركك!
يحاول الفتى أن يصحح له الخطأ، وأن يوضح له أن التظاهر ليس جريمة، وأنه لم يتظاهر من أجل نفسه فقط، بل من أجل الجميع، ولكن أمين الشرطة لا يصدقه لأنه لم يعرف فى حياته معنى "من أجل الجميع"، وعندما تصل سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة يبدأ أمين الشرطة في ممارسة هوايته المفضلة -التعذيب- ويحاول أن يجبر الفتى على الاعتراف؛ فيعترف الفتى بجريمة لم يرتكبها.
(4)
يتصل به أحد زملائه من أمناء الشرطة.
- بقولك إيه، سيب التعذيب اللى فى إيدك وتعالى بسرعة.
= لا دأنا مقدرش أسيب اللحظة المهمة دى.
- طيب خلص وتعالى عشان عندنا مظاهرة.
= عندما يسمع كلمة "مظاهرة" يبتهج، فهوايته الأخرى قمع التظاهرات، ولكنه يفاجأ عندما يعلم أنه يقصد أن أمناء الشرطة هم من سيتظاهرون.
- انت بتهزر؟ احنا اللى هنتظاهر؟ إنت إخوان ولا إيه؟!
= أيوة احنا بقالنا أد إيه مبناخدش مرتباتنا؛ هو إحنا هنعذب الناس ونبلطج عليهم، ونخطفهم من البيوت ببلاش؟! التعذيب مش ببلاش.
- عندك حق، أنا إيدى وقفت من كتر التعذيب.
(5)
"الحرية لكل سجين. هاتوا إخواتنا من الزنازين"
كان هذا هتاف المظاهرة التي خرجت تطالب بالإفراج عمن تظاهروا ضد عودة القمع، شارك فيها أهالي وأصدقاء المعتقلين، ولكن الشرطة تعاملت معهم بقسوة وفرقتهم بالخرطوش والغاز وأصابت العديد منهم بالرصاص الحي، واعتقلت منهم أعداد كبيرة، حتى أنهم لم يفرقوا بين الشباب والبنات في موجة الاعتقالات. وهكذا كلما رأينا مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين تعتقل الشرطة أغلب من فيها.
(6)
اقتحم نحو 2000 من أمناء الشرطة مديرية أمن الشرقية، وأتلفوا المكاتب ومنعوا وصول المسؤلين مكاتبهم وهتفوا ضد وزير الداخلية: "ارحل بقى ياعم خلى عندك دم" الهتاف الذى من أجله اتهم شباب الثورة بالعمالة والخيانة ونشر الفوضى، وطالبوا بالمساواة بينهم وبين الضباط فى كل شئ، وخاصة فى بدل المخاطر والعلاج فى المستشفيات، طالبوا أن يصيروا أسيادًا فى نفس درجة أسيادهم، لأنه لا فرق بينهم فى المجهود، فالجميع يقتل ويخطف ويعذب ويعتقل، فلماذا لا يوجد عدل بينهم؟!
هتف أعداء الهتاف، وتظاهر من يقمع التظاهرات، ونجحوا فى الاعتصام، بل واقتحموا مقرًا حكوميًا، ولم يجدوا وسيلة أخرى من أجل رفع كفاءتهم في التعذيب والبلطجة سوى التظاهر، ولكن الشرطة لم تتعامل معهم كما تتعامل مع أى متظاهر آخر، لأنهم فى النهاية  شاربين ساحلين ضاربين معذبين مبلطجين مع بعض.
(7)
يجلس مع رفاقه فى الزنزانة التي سيقضي بها سنوات ويلقي أبياتًا يحفظها كما يحفظ اسمه:
يا عم الظابط انت كداب
واللي باعتك كداب
مش بالذل حاشوفكم غير
ولا استرجى منكم خير
انتم كلاب الحاكم
واحنا الطير
انتم التوجيه وإحنا السيل
انتم لصوص القوت
واحنا بنبنى بيوت
احنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت
احنا شعبين ..شعبين ..شعبين
الأبيات لعبد الرحمن الأبنوى من قصيدة: الأحزان العادية

رمضان جانا.. فى الزنزانة






قضيت شهر رمضان الماضي بين جدران السجون، كان شهرًا قاسيًا ولم يكن كريمًا كعادته، كنت أفكر دائمًا فى أمي، أتخيلها تبكي على مائدة الإفطار، تمتنع عن طعام السحور، وجهها شاحب.
شهر رمضان سبب فى فرحة الجميع عدا ساكنى الزنازين؛ فأول ليلة من شهر رمضان يكسو الحزن كل شئ، يكسو الوجوه والقلوب والعقول؛ يكسوالجدران!
هذا يفكر فى أمه وأبيه، وهذا فى زوجته وأولاده، وذاك يبكي على فراق محبوبته، وأطفالاً يتمنون الخروح للعب كرة القدم فى رمضان كما اعتادوا!
فى غير رمضان كنا جميعًا نفرح بوقت الزيارة التى لا تتخطى 15 دقيقة كل 7 أيام، وفي رمضان نحزن عندما يأتى وقت الزيارة لمعاناة أهالينا الذين ينتظرون موعد زيارتهم خارج أسوار السجن من بعد الفجر وهم صائمون؛ ينتظرون أكثر من 6 ساعات!
شهر رمضان خارج الزنازين ملئ بالفرحة وبصوت عبد المطلب "رمضان جانا وفرحنا به" وداخل الزنازين تسمع أصواتًا ساخرة ممزوجة بحشرجة يلمؤها الحزن تغنى "رمضان جانا .. فى الزنزانة" ثم يضحكون بجنون؛ ليواجهوا اللامبالاة والظلم، يضحكون لأنهم يعلمون أن فى الليل لن ترحمهم دموعهم.
خرجت من السجن"حمدا لله" ولكنى تركت ابتسامتى المعتادة هناك؛ حيث ينام رفاقًا ظلمهم النظام الحالي وأضاع أعمارهم.
خرجت ولكن المستقبل مازال مسجونًا.
أتذكر "عبدالقادر زايد" طالب أولى هندسة الأزهر الذى ترك حياته بمحافظة البحيرة وانتقل إلى القاهرة ليحقق حلمه وحلم أسرته فى أن يصير مهندسًا. ولكن الداخلية قتلت أحلامه واعتقلته وهو فى طريقه لأداء أول امتحان له يوم 28 ديسمبر 2013، لن أنسى حكاياته عن أمه التى لم يرها منذ اعتقاله لعدم قدرتها على السفر للقاهرة لأنها مريضة. وعن أبيه الذى أصيب بمرض فى القلب حزنًا عليه وعلى ضياع مستقبله!
لم يستطع "عبدالقادر" توصيل صوته عندما أضرب عن الطعام في 9 سبتمبر 2014. وقتها كان يتعلق بالأمل.
فى رمضان الماضى كتب"عبد القادر"هذه الكلمات:
"أنا المصلوب في زنزانه وسألوني مالك؟
قلت ماليش
أنا الغرقان فى كوب مية
انا الزاهد كما الدراويش
أنا الضحكة و الأحزان
أنا البحر اللي عاش يروي
ومات عطشان.
أنا عنوان بلا موطن
أنا موطن بلا عنوان."
يقضى "عبدالقادر" شهر رمضان للمرة الثانية بين جدران السجون بدلاً من قضائه بين مدرجات كليته.
قرر عبدالقادر تأجيل حلمه ولم يؤد امتحاناته لمدة عامين، فقد اعتقل وهو يبلغ من العمر 18 سنة ولكنه الآن يبلغ من العمر 20 عامًا !
حُكم على "عبدالقادر" بالسجن المشدد 7 سنوات وبالمراقبة 5 أعوام.
والسجون مليئة بآلاف "عبدالقادر" ممن لا نعلم عنهم شيئًا وممن سيقضون شهر رمضان فى ظلمات السجون.

موضوعات متعلقة:

ترحيلات الموت

نعلم أنك بريء ولكن..


السجون في الصيف