الحياة لهم.. ولنا





مصر العربية


(1)
في ديسمبر 1921، شهد سجن الحضرة عملية إعدام الأختين "ريا وسكينة" وحسب الله وعبد العال زوجيهما واثنين آخرين.

بعد نحو 100 عام من إعدامهم، ظهرت روايات موثقة عن برائتهم، وأشيع أن القضاء حينها كان خاضعًا للاحتلال الإنجليزي، وأن ريا وسكينة كانتا مناضلتين وتم إعدامهما ظلمًا.

قد تكون هذه الرواية منطقية، وقد تكون عكس ذلك، قد تصدق هذه الرواية، وقد تكذبها، وقد تلعن قائلها، ولكنك في كل الأحوال تتفق معي أن الجرائم لم تتوقف بعد إعدامهم، أليس كذلك؟!

قد يكون من العبث الكلام في قضية مر عليها نحو 100 عام، وقد يكون من الغباء تجاهلها، لكن الأكيد أن هؤلاء لو لم يعدموا ما انتهت الدنيا.

(2)
نفذت مصلحة السجون حُكمًا بالإعدام لـ 6 أشخاص في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "عرب شركس"، في 17 مايو 2015، وهم: محمد بكرى محمد هارون، هانى مصطفى أمين عامر، ومحمد على عفيفى، وعبدالرحمن سيد رزق، وخالد فرج محمد، وإسلام سيد أحمد إبراهيم.

بعدها بأيام قررت محكمة مصرية وقف حكم الإعدام، وإعادة فتح باب المرافعة، أمام دفاع المتهمين!

بعيدًا عن الجدل الدائر في مسألة براءتهم أم لا، ماذا استفدنا من إعدامهم؟ هل توقفت العمليات الإرهابية؟ هل تقدمت بلادنا؟!

كل ما في الأمر أن الدولة قتلت أناسًا قد يكون بينهم برئ واحد، واكتسبت أعداءًا جدد!

(3)
في مارس 2016، أعلنت الداخلية أنها (أعدمت) 5 أشخاص رميًا بالرصاص، أو قامت بتصفيتهم بعد اشتباكات مسلحة بينهم، بدعوى أنهم قتلة ريجيني، وأنهم كانوا مسلحين.

وهؤلاء لم يكونوا قتلة ريجيني، وكل الأدلة أثبتت أنهم ليسوا جماعة مسلحة، ولم يقاوموا الشرطة.

ولكن الشرطة هي من قتلت الطالب الإيطالي ريجيني، بعدما راودتهم شكوك حوله.
وأصدرت النيابة في 9 سبتمبر بيانًا يثبت براءة من تمت تصفيتهم، وأن الشرطة كانت تضع ريجيني تحت المراقبة.. بالمناسبة؛ لم يكن هذا البيان صادرًا من النيابة احترامًا لحق المعرفة، ولكنه كان خوفًا من أن يعلن الجانب الإيطالي قطع العلاقات مع مصر.

هل يمكن لدولة تعدم مواطنين رميًا بالرصاص، أن تكون محل ثقة في عدالة أحكامها عندنا تصدر أحكامًا بالإعدام، لا سيما في القضايا السياسية؟!

(4)
لِمَ علينا إلغاء عقوبة الإعدام؟

- ألغى 141 بلدًا، أو ما يعادل ثلثي بلدان العالم، عقوبة الإعدام في القانون أو الواقع الفعلي. بحسب منظمة العفو الدولية. لكن مصر على قائمة أكثر البلدان تنفيذا للإعدامات.

فإذا كانت البلدان الأكثر تقدمًا تتجه نحو إلغاء الإعدام نهائيًا، فلماذا ننافس نحن في قتل البشر الأبرياء؟

- عقوبة الإعدام جريمة قتل ترتكبها الدولة باسم العدالة، فالعدالة تقتضي أن يكون لكل إنسان الحق في الحياة، والحصول على فرصة أخرى من أجل تصحيح ما مضى؛ لو كان مجرمًا!

- بما إن العدالة غائبة، فقد نقتل إنسانًا لم يرتكب جريمة، ولعل علينا أن نؤمن بأن نجاة مذنب من القتل، خير من قتل برئ!

في الولايات المتحدة لم يتم تنفيذ حكم الإعدام على 156 شخصًا حكم عليهم بالإعدام منذ عام 1973 حتى 2015، بعد أن ثبتت براءتهم، وبالتأكيد هناك آلاف أعدموا وهم أبرياء.

- كل الأحكام بالسجن مهما كانت كبيرة، يمكن الرجوع عنها حال اكتشاف خطأ ما في القضية، وحال ظهور دليل جديد على براءة متهم، أما حكم الإعدام لا رجعة فيه.

وفي مصر آلاف القضايا (السياسية) التي حكم فيها القضاء أحكامًا قاسية بالسجن، وانتهت بالبراءة.

- الإعدام أداة سياسية، تستخدمها الدول القمعية لقمع معارضيها، وللتخلص من أشخاص مزعجين لهم، والتاريخ ملئ بقصص هؤلاء. فما بالك بحكومة تعتبر كل معارضيها خونة؟!

- الإعدام لا يردع أكثر من السجن، فهل انتهت الجرائم بعد إعدام مجرم؟ وهل اتعظ إرهابي بعد إعدام خلية إرهابية؟ وماذا عن هؤلاء الذي يظنون أنهم عندما يعدموا سيقتلون في سبيل الله؟ أليس تفكيرهم هذا حافز على عدم الخوف من الإعدام؟!

في قراءة شاملة بجامعة جنوب ويلز قارنت نتائج 74 دراسة حول تأثير حكم الإعدام كرادع؛ كان الكفة الراجحة في الأبحاث للقول بأن الإعدام ليس رادعًا وبأن حكم الإعدام يُنفذ غالبًا بسبب خلفيات إيديولوجية أو سياسية أكثر من كونه حكمًا للردع.

وإذا كان حكم الإعدام خصص للقضاء على الجريمة، فإن إيران من أكثر دول العالم تنفيذًا لأحكام الإعدام وكانت الثانية على العالم في عام 2007، وحينها أعدمت 317 شخص، فهل اختفت الجريمة في إيران؟! بالطبع لا، في عام 2009 كانت إيران في الثلث الأول بمعدلات الجريمة عالميا.

- الإعدام لا يقضي على الإرهاب، بل يخلقه، ماذا يفعل أبناء من تم إعدامهم؟ وخاصة لو كانوا أبرياء؟! هل تظن أنهم سيشاركون في الانتخابات أم في صناعة السلاح؟!
  
(5)
في عام 2014، نفذ حكم الإعدام في 14 مواطنًا مصريًا، وفي 2015، نفذ في 22 آخرين، وجرائم القتل بالإعدام ما زالت مستمرة.

ونحن الآن اقتربنا من جريمة قتل جماعية، ترتكبها الدولة، ونرتكبها نحن بصمتنا، في حق ستة أشخاص تعرضوا للاختفاء القسري وتم تعذيبهم ليعترفوا بشئ يبدو أنهم لم يرتكبوه.

فقد أيدت محكمة النقض، في 7 يونيو الجاري، أحكام الإعدام في حق 6 متهمين بقتل رقيب شرطة هم "خالد رفعت جاد عسكر، إبراهيم يحيى عبد الفتاح عزب، أحمد الوليد السيد الشال، عبد الرحمن محمد عبده عطية، باسم محسن خريبى، ومحمود ممدوح وهبة" وهي القضية المعروفة إعلاميًا باسم "شباب المنصورة".

فلا يسعنا إلا أن نطلب لهم حق الحياة، قبل أن يُقتلوا ويُقتل معهم ما تبقى من إنسانية في هذا الوطن.

علينا أن نتبرأ من قتلهم، وأن نطلب لهم الحياة.. ولنا.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة