‏إظهار الرسائل ذات التسميات السجن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السجن. إظهار كافة الرسائل

توبلكسيل.. مقبرة الأحياء "كتاب"


"مكان مغلق ومنعزل عن المجتمع. تحاوطه أسوار وأسلاك شائكة، لا تحبه الشمس، ولا هو يحبها، يتكون من غرف وعنابر متعددة المساحة والأحجام، متواجدة فوق الأرض وتحتها، يقيم فيها سجناء بأمر محكمة، أو بأمر حاكم، لارتكابهم جريمة ما، أو لانتماءاتهم الفكرية، أو السياسية، أو لمصادفة تواجدهم في محيط مظاهرة أو مؤتمر.
يقولون أن الهدف من بناء السجون هو حماية المواطنين وحفظ الأمن من سلوك المجرمين، وإعادة تأهيلهم اجتماعيًا وسلوكيًا، هم يقولون ذلك. لكننا ندرك جيدًا أن السجون بنيت من أجلنا نحن، ونحن هنا عائدة على الذين يفكرون، ويكتبون، ويرسمون، ويحلمون بوطن أفضل، وثورة عارمة على أنظمة فاسدة.. 19 سجنًا تم بنائها بعد ثورة يناير، في شرق مصر وغربها، في شمالها وجنوبها، لم يتم بنائها إلا لنا نحن، أنا وأنت وكل السجناء السياسيين"
تقدر تشتري كتاب "توبلكسيل" للكاتب "أحمد جمال زيادة" عبر خدمة Voo للتوصيل، والمتاحة في كل أنحاء الجمهورية، والدفع عند الاستلام، من هنا: https://goo.gl/rQqyL6

شادي أبو زيد.. من فيديو ساخر إلى السجن

شادي أبو زيد




مدون ومقدم فيديوهات ساخر، أخذته السخرية من تقديم أشهر برنامج ساخر وكوميدي في مصر، إلى السجن.. شادي أبوزيد، مدون ينشر فيديوهات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما كان أحد فريق العمل في البرنامج الساخر «أبلة فاهيتا»، الموقوف.
بدأت قصة شادي مع الأمن، في ذكرى الثورة يناير 2016، حيث بث شادي بالمشاركة مع الممثل الشاب أحمد مالك فيديو ساخر أهديا بعض أفراد الأمن في ميدان التحرير بالونات، عبارة عن واقيات ذكرية.
وأثار الفيديو جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وحقق مشاهدات عالية، وتلقى أبوزيد اثر ذلك تهديدات، الأمر الذي دعا أسرته بتقديم بلاغ للمطالبة بإلزام وزارة الداخلية بحمايته وعدم التعرض له، بالإضافة لفتح باب التحقيق في رسائل تهديد تمس أمنه وسلامته الشخصية.
ورغم توقفه عن العمل كمراسل لبرنامج «أبلة فاهيتا» بعد الفيديو الساخر من أفراد بالشرطة، إلا أن أبوزيد استمر في نشر فيديوهات ساخرة يحتوى بعضها على لقاءات مع مواطنين بالشارع على حساباته على السوشيال ميديا.
إلا أن أزمة شادي مع قوات الأمن كانت أقدم من ذلك بقليل، حيث أنه في يوم 5 ديسمبر 2012، أصيب شادي بـ106 “بلية خرطوش” في مظاهرات أمام قصر الاتحادية ومواجهات مع أنصار الإخوان “بحسب قوله”.
وشادي مؤسس حركة “التحرش بالمتحرشين” وهي حركة قررت النزول إلى الشارع في المناسبات العامة، ووصف المتحرشين باستخدام السبراي والختم على ظهر المتحرش بجملة “أنا متحرش” ضمن مجموعة من الشباب المتحرشين.
وفي فجر 6 مايو 2018 اقتحم نحو 20 فرد أمن بملابس مدنية  منزل أسرة شادي في منطقة حدائق القبة، واصطحبوا شادي معهم إلى مكان مجهول، حيث رفضوا إخبار الأسرة عن مكان احتجازه، كما منعوا شقيقته من تتبعهم بسيارتها وأعادوها إلى منزلها.
وقامت قوات الأمن  بتحطيم بعض محتويات المنزل،  والاستيلاء على مبلغ مالي وموبايلات وأجهزة كمبيوتر محمول”.
وفي 8 مايو من العام ذاته، ظهر شادي أمام نيابة أمن الدولة العليا متهمًا في قضية بيدو أنها وجدت  بغرض ممارسات  ترهيبية وانتقامية من بعض الأراء الحرة، وهي القضية 621 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا وجميع قضايا الرأي، التي تضم عددًا من النشطاء.
واجهت النيابة شادي ببعض مقتنياته من مشاركته في ثورة 25 يناير 2011 على أنها تهمة، وقال شادي في التحقيقات أنه توقف عن ممارسة أي نشاط سياسي منذ عام 2016 «تاريخ التحاقه بالخدمة العسكرية»، والتي أنهاها منتصف عام 2017 وحتى الآن.
وأضاف «أبو زيد»، أن كل أفعاله السابقة لم تكن ممارسة منه لأي نشاط سياسي، بل كانت في إطار فكاهي لا علاقة له بأي موقف ضد أي فئة معينة.
وواجهت النيابة شادي أبو زيد بمبلغ مالي وهو 15 ألف جنيه، و300 دولار، في سابقة غير معتادة وأقر «شادي» بأنها ممتلكات خاصة به.
ويواجه «شادي»  حاليًا اتهامات: الانضمام لجماعة أسست خلافا لأحكام القانون والدستور الغرض منها تعطيل مؤسسات الدولة ومنعها من ممارسة عملها، ونشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن القومي للبلاد.
وبعيدا عن القضية 621، يحاكم شادي في قضية أخرى أمام محكمة جنح قصر النيل، باتهامات بينها إهانة رجال الضبط القضائي بحركات بالأيدي.
حيث قررت المحكمة في أخر جلساتها في 14 يوليو الجاري، تأجيل القضية رقم 1088 لسنة 2016 جنح قصر النيل، إلى جلسة 8 سبتمبر المقبل للمستندات والمذكرات.
ويواجه شادي في القضية، اتهامات بإهانة بالإشارة أحد رجال الضبط القضائي والمكلفين بخدمة عامة أثناء تأدية وظيفتهم، وسب أحد رجال الضبط  القضائي.

كنا نغني "شد الحزام".. وكان للدواعش رأي آخر

رويترز



مدونات الجزيرة


استطاع أحدهم تهريب راديو به ذاكرة "ميموري" مليئة بأغاني سيد درويش والشيخ إمام، وكنت قد أوصيته بها، وفي مرة كان يستمع إلى سيد درويش.
"شد الحزام على وسط غيره ما يفيدك
لا بد عن يوم برده ويعدلها سيدك
إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك
أهون عليك يا حر من مدة إيدك".

فإذا بأحدهم يصيح:  الموسيقى "حراااام"، اتق الله يا أخي، وأغلق هذا الكفر. لم يقلها على شكل نصيحة، قالها وكأنه يهدده، من دون أن يعي ما يغنيه سيد درويش. كان هذا في سجن أبو زعبل عام 2015، وكانت هذه أولى البدايات مع الدواعش، فقد نقلتنا إدارة السجن إلى زنزانة أخرى لتعاقبنا بشكل جماعي، ودمجتنا مع أربعة عشر سجينا جنائيا، وكان هذا أول موقف بيننا وبينهم، وبدأ الاكتئاب الجماعي.

كنا نحو 23 طالبًا، وثلاثة ينتمون إلى الإخوان، وواحد سلفي، وصحفي سيء الحظ "أنا". تعايش الإخوان والسلفي معهم في البداية وكانوا يتعاملون على أنه أمر طبيعي، حتى ساءت الأمور بينهم. ففي إحدى خطب الجمعة، قال الإمام: الإخوان جزاهم الله على ما فعلوه بنا، كانوا يحكمون بالكفر. وهنا بدأت المعركة بين الإخوان والدواعش، ووقف السلفي مع الإخوان وتضامن معهم.

الأمر ليس مضحكًا فهم كانوا 14 داعشيا فقط في زنزانتنا، ازداد عددهم بشكل لافت وسريع، ونجحوا في أن يوزعوا أنفسهم على الزنازين الأخرى بعد أن دفعوا السجائر للشاويشية والمخبرين، بهدف الدعوة للانضمام إلى ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وبعدما كنا نسمع أصواتًا تغني ليلًا أغاني الشيخ إمام، وحمزة نمرة، وأغاني شباب الألتراس، وتواشيح النقشبندي المنبثقة من زنازين أخرى، ظللنا نسمع أناشيد داعش، منها أناشيد تفتخر بتفجير برج التجارة العالمي الذي قتل فيه مدنيون؛ يقولون: "بالذبح جيناكم":

"وين أيامنا وين
وين قضيناها
راحت في غمضة عين
يا محلى ذكراها
قائدنا بن لادن
يا مرهب أمريكا
بقوة الإيمان
وسلاحنا البيكا (1)
أميرنا الملا (2)
عن دينه ما تخلى
كل الجنود باعوا
أرواحهم لله
شرطة مصرية
ردة ونفاقية
بالذبح جيناكم
لا لا اتفاقية
دمرنا أمريكا
بطيارة مدنية
برج التجارة غدا
كومة ترابية"

كنت أعلم أنني سأسجن، لكني لم أعلم أنني سأسجن مع هؤلاء، كنت أعتقد أني سأسجن مع الذين يغنوا للثورة والوطن والشهدا، لم أعتقد أنني سأستمع يومًا لأغنية عنوانها "بالذبح جيناكم" في أي حال من الأحوال، لذا أوجه الشكر لوزارة الداخلية التي أتاحت الفرصة لي ولطلاب قبض عليهم عشوائيًا ليستمعوا إلى هذه الأغاني، وليتشبعوا منها طوال فترة الحكم عليهم.

جاءني "ع.ع" وهو طالب في كلية الهندسة، يخبرني بأن أحد الدواعش كان يحاول تجنيده، فـ"ع" طالب هندسة عبقري، كان يخترع الأشياء ببساطة، وكان يقدر على أن يحول لمبات النور إلى شاحن موبايل داخل السجن بمتطلبات بدائية، وكان طالبا في هندسة الأزهر، والتحق سابقًا بجامعة زويل، وهو الآن في سجن العقرب. قال لي إن الدواعش يحاولون تجنيده، وإنهم قالوا له لو انضم لهم لن يحارب، ولكنه سيجاهد في سبيل الله بعقله فقط، فهم يُقدّرون مثل هذه العقول العبقرية، ولن يُضحوا بها في القتال، وإنه لو انضم لهم سيكون مُكرمًا، وسيتزوج بفتيات جميلات عفيفات. أخبرني "ع" بكل هذا وكان يضحك؛ ولكني لا أعلم ماذا كان يدور بخاطره؛ شعرت بأنه قد اقتنع بما قالوا، وبالفعل رأيته يجلس معهم في مرات عديدة، حتى صار كأنه منهم.

بعدما حدث خلاف بين داعش والإخوان داخل الزنزانة، كانت هناك منافسة على خطب الجمعة، وكسب الدواعش المنافسة لكثرة عددهم في الزنزانة، وفي إحدى خطب الدواعش تحدث الخطيب عن الحاكمية، وكفّر كل من لا يؤمن بالحاكمية، واستمع له الطلاب، وأعتقد أنهم لم يفهموا منه شيئًا، ولكنهم سيفهمون حتمًا، ومنهم من سيصير مثل الخطيب. ومن الواضح أن صاحب خطبة الحاكمية أعجبه الأمر، وفي صلاة العصر تعمد أن يدعي لإمامهم "أبو بكر البغدادي" قائلًا: "اللهم انصر عبدك وأمير المؤمنين أبا بكر البغدادي على الكفار والمشركين". قررت ألا أصلي معهم أبدًا، ولما أيقظني أحدهم لأصلي الفجر، قلت له غاضبًا لن أصلي، ولا توقظني مرة أخرى، وامتزج صوتي بنبرة تهديد، فبدأوا يتجنبوني.

صنعت خيمة صغيرة من أقمشة الملاءات، وتقوقعت بها ولم أخرج منها إلا للضرورة، وقرأت كتبًا كثيرة، وكتبت عن كل شيء في السجن، حتى لو لم يكن يستحق الكتابة، وأخذت قرارًا بألا أتناقش مع مخلوق في مسألة فكر أو عقيدة، وعلمت أن عليّ الابتعاد عن النقاش في هذه المرحلة، وأعتقد أنه بعد خروجي من السجن فضلت ألا أتناقش كثيرًا واكتفيت بالسكوت، فلم أعد أحتمل سماع أي كلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
1- البيكا: سلاح رشاش متوسط ضمن مجموعة أسلحة متعددة الاستخدام، يجمع صفات كل من الكلاشنكوف والديكتريوف.
2- الملا محمد عمر: الأمير الأيدولوجي لحركة طالبان.

في زنازين التأديب.. الموت أو نزع الآدمية

الرسمة: رنوة يوسف


«كان معه هاتف لإجراء مكالمات هاتفية مع عائلته من داخل سجن القناطر، وكان الهاتف سببًا في إنهاء حياته بعد خروجه من زنزانة التأديب. صحته كانت جيدة جدًا، ولا توجد لديه أمراض مزمنة، وعندما رأيت جسده بعد موته لم أجد به أي علامات تعذيب»، هكذا قال لنا أحد أقارب عُمر عبد المجيد سعيد الباسل، وشهرته عمرو الباسل، الذي توفي داخل سجن القناطر رجال مطلع الشهر الجاري.
وأُلقي القبض على عمرو الباسل من مرسى مطروح، 36 سنة وحاصل على ثانوية أزهرية، متزوج ولديه ثلاثة أطفال، في يوليو 2016، لاتهامه بخطف مواطن للاستيلاء على سيارته، ولم يحكم عليه في القضية بعد. ووفق ما قاله أقاربه، كُتبْ في تقرير الوفاة الرسمي أنه مات بشكل طبيعي، ولم يتخذ الأهالي أي إجراء قانوني بعد وفاته.
التقينا بمجموعة من أقاربه في قرية ناهيا، إحدى القرى التابعة لمركز كرداسة في محافظة الجيزة، وحاولنا معرفة تفاصيل وفاته. قال أحدهم إن عمر كان محبوسًا في سجن القناطر «رجال 1»، الذي يبعد عن القاهرة نحو 25 كم، وأخبرهم أحد زملائه عن طريق هاتف تمّ تهريبه داخل السجن أنه «في ليلة وفاته قد شهد السجن استغاثات جماعية وصراخ وبكاء وطرق على أبواب الزنازين، لأن الباسل كان قد خرج من زنزانة التأديب التي ظل بها نحو 16 يومًا، وأصيب بعد خروجه بإعياء شديد واصفرار في الوجه، ولكن إدارة السجن لم تستجب لهذه الاستغاثات إلا بعد أن لفظ الباسل آخر أنفاسه».
يحكي أحد أقاربه، الذي رفض ذكر اسمه، أنه تلقى مكالمة من أحد المساجين يخبره بأن عمرو قد مات، ويضيف: «لا أعتقد أنه مات من التعذيب، ولكني أعتقد أن سوء حالته النفسية كانت سببًا في ذلك، فنحن تأخرنا عن زيارته كثيرًا بعد أن شغلتنا متاعب الحياة ومصاريف العائلة، بالإضافة إلى دخوله زنزانة التأديب وعدم خروجه منها نحو 16 يومًا، ولأنه كان دائمًا يشعر بأنه ثقيل علينا، ولكنه لم يكن كذلك».
يقول أحد المحتجزين في سجن القناطر، تمكن «مدى مصر» من التواصل معه: «دخل عمرو زنزانة التأديب هو و9 سجناء آخرين، بعد أن عثرت مباحث السجن على هواتف في زنزانتهم. لم نكن نتوقع أن يكون عمرو هو الضحية، فقد كنا نخشى على سجين يدعى مصطفى  العراقي عنبة، وهو مريض بالقلب وقد دخل زنزانة التأديب، رغم أنه ممنوع دخول المرضى إلى التأديب، وهو ما جعلنا نعتقد أنه مات وليس عمرو». ويضيف: «لقد قاموا بحلق شعر رؤوسهم قبل دخولهم التأديب، ولم يسمحوا لهم بالدخول بأغطية الشتاء، كما ألبسوهم بدلة التحقيق فقط، وهي بدلة خفيفة جدًا لا تصلح للشتاء، وظلت زنازين التأديب مغلقة عليهم أكثر من 15 يومًا لم يروا الشمس خلالها، ولم يتوضؤوا أو ينظفوا أجسامهم بالمياه لأن إدارة السجن لا تسمح سوى بدخول زجاجة مياه واحدة طوال اليوم لكل سجين ورغيف خبز وقطعة جبن صغيرة، كما أن زنازين التأديب لا يوجد بها دورات مياه، ما يجعلها أشبه ببالوعات الصرف الصحي، والسجناء يقضون حاجتهم في جردل بلاستيك»، بحسب وصف السجين.
موت الباسل في تأديب السجن أو بسببه لم يكن الحالة الأولى في السجون المصرية. في 20 مايو 2016 طلبت إدارة سجن برج العرب الذي يعد أحد أكبر السجون المصرية، حيث يضم سجني ليمان برج العرب، وبرج العرب العمومي، من أسرة السجين بدر شحاتة، إحضار بطاقة الرقم القومي الخاصة به. وفي صباح اليوم التالي أبلغتهم إدارة السجن بوفاته ووجوده بإحدى ثلاجات مشرحة كوم الدكة.
أُلقي القبض على شحاتة، في 14 أغسطس 2013، من محيط مبنى محافظة البحيرة، ووضع داخل سجن الأبعدية، ثم رُحل إلى سجن برج العرب، وحوكم عسكريًا بتهمة الاعتداء على منشآت حكومية وأدين بالسجن لمدة 15 عامًا.
يقول أحمد، أحد أبناء شحاتة، إنه أثناء إحدى الزيارات، علمت الأسرة أن والدهم تمّ الزج به في زنزانة التأديب بعد الاعتداء عليه، وأنه ممنوع عنه الزيارة، لكنه لم يتحمل ما وصفه بالتعذيب، بالإضافة إلى قبح الزنزانة التي لا تصلح للحياة، مما أدى إلى وفاته، مضيفًا أن «التقرير الذي أصدرته وزارة الداخلية يفيد أن والده مات نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية»، وهو ما استنكره أحمد لأن والده لم يكن يعاني من أي مشاكل صحية سابقة، على حد قوله.
في التأديب قد تفعل أشياءً لا تصدق
«إنها زنزانة لا تكفي إلا لفرد واحد، ولكن رئيس المباحث تعمد أن يضع خمسة أفراد في زنزانة واحدة، كانوا لا يستطيعون النوم أبدًا، ومكثوا في الزنزانة أكثر من 15 يومًا، وقد دخلوا التأديب بعد أن اتهمتهم إدارة السجن بالتجارة في مواد مخدرة وهواتف محمولة داخل السجن، أخي دخل التأديب مرتين؛ في المرة الأولى أخبرني أنه يشعر بأنه قد فقد عقله، والمرة الثانية كانت طويلة جدًا، وقرروا الهروب من التأديب ودمروا شباك الزنزانة وحاولوا الفرار، لكن أخي مات غرقًا في ترعة الإسماعيلية بعد أن تخطى سور السجن في سبتمبر 2014». هذه شهادة شقيق «م أ ع»، 29 عامًا، وكان محكومًا عليه بالسجن خمس سنوات لاتهامه في قضية سرقة بالإكراه، وكان يقضي عقوبته في سجن أبو زعبل «ليمان 2».
ويقول شقيق السجين المتوفي، الذي طلب عدم ذكر اسمه: «لم يخبرني أخي أنه سيحاول الهروب، ولكني شعرت أنه فقد عقله بعد دخوله التأديب في المرة الأولى، لذا كان من المتوقع أن يفعل أي شيء للخروج من التأديب».
وكان المجلس القومي لحقوق الإنسان قد اعترف في بيان رسمي، في مارس 2015، على لسان محمد فائق رئيس المجلس بأن «الظروف المعيشية داخل غرف التأديب غير ملائمة طبقًا للمعايير الدنيا في أماكن الاحتجاز». وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي تطرق  «القومي لحقوق الإنسان» لزنازين التأديب في تقاريره التي صدرت منذ عام 2013.
مرض الجرب والعيش مع الفئران
في سبتمبر 2015، اشتكى أحد المتهمين فيما يعرف بـ«خلية إمبابة» من إصابته بأمراض جلدية وحساسية وصفها بـ «الجرب» داخل زنزانة التأديب بسجن العقرب، وأنها تجعل جسده ينزف دمًا، وذلك بسبب عدم دخول الشمس للزنزانة وعدم وجود نظافة فيها، وطلب من المحكمة التي كان يرأسها المستشار محمد ناجي شحاتة، رؤية جسده للتأكد من صحة كلامه، ولكن شحاته سأله عن لجنة حقوق الإنسان التي ذهبت إلى سجن العقرب، وقالت لا يوجد بالسجن تجاوزات، وأن الوجبات المقدمة إلى جميع السجناء جيدة، فرد عليه السجين قائلًا: «أقسم بالله لم يأت أحد».
يتذكر «ع ع م»، طالب بكلية هندسة بجامعة الأزهر، وكان متهمًا في أعمال شغب بالجامعة، حيث قبض عليه في ديسمبر 2013 وأفرج عنه في مارس 2017 بعفو رئاسي، كيف كان يقضي أوقاته في زنزانة التأديب مع الفئران والصراصير وكيف اعتاد عليها، قائلًا: «كان وجودها أفضل مائة مرة من وجود ثلاثة أشخاص معك في نفس الزنزانة وفي فصل الصيف دون استحمام، وهي زنزانة متر في متر تقريبًا». داخل طالب الهندسة زنزانة التأديب ثلاث مرات، الأولى بعد أن حاول أحد أقاربه تهريب هاتف له داخل السجن، والثانية لعثور إدارة السجن على هاتف بحوزته، والثالثة كانت لوقوع اشتباكات بين قوات أمن السجن وبعض المساجين في سجن أبو زعبل، ودخل بعدها عدد كبير من السجناء زنازنين التأديب.
مطالبات حقوقية بإغلاق زنازين التأديب
«التأديب» هو الاسم الدارج الذي يطلقه السجناء على ما نصت عليه لائحة السجونبالحبس في «غرفة خاصة شديدة الحراسة تتوافر فيها الشروط الصحية» للتفرقة بينه وبين «الحبس الانفرادي» العادي الذي قد يطلبه السجين بأمواله كما يوضح عزت غنيم، المحامي الحقوقي ومدير «التنسيقية المصرية للحقوق والحريات».
يقول غنيم لـ «مدى مصر» إن «أعداد الوفيات داخل زنازين التأديب ليست كثيرة، ولكن ظروف الزنزانة غير مؤهلة للمعيشة، وأن هناك فرق بينها وبين الحبس الانفرادي، فالأخير غرفة خاصة قد يطلبها السجين بأمواله، أو يحبس بها لأسباب سياسية أو مرضية، أما زنزانة التأديب فمساحتها أضيق بشكل كبير جدًا من الزنزانة العادية، وليس بها أي منافذ تهوية تطل على الخارج، وتتسع لفرد واحد، ولا يوجد بها دورة مياه».
ويضيف غنيم: «تعديل قانون تنظيم السجون الأخير، أتاح لمأمور السجن أن يدخل من يشاء التأديب بأي صورة، وأن المدة القانونية السابقة للاحتجاز في زنزانة التأديب كانت لا تزيد عن 15 يومًا بعد الكشف على السجين والتأكد من سلامته صحيًا، وفي التعديل الأخير وصلت المدة المتاحة للحبس داخل التأديب 6 أشهر».
وأكد غنيم على أن «التنسيقية المصرية قد قدمت طعنًا على اللائحة الجديدة في مجلس الدولة على المواد المتعلقة بزنزانة التأديب لإلغائها، وبالتي إلغاء زنازين التأديب نهائيًا نظرًا لظروفها غير الآدمية»، مشيرًا إلى أنه «من المنتظر أن تكون جلسة النظر في الطعن 4 ديسمبر المقبل».
في فبراير الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قرار وزير الداخلية رقم 344 لسنة 2017، بتعديل بعض مواد اللائحة الداخلية للسجون، وضمت التعديلات استبدال أربعة مواد من اللائحة، تتعلق بالحد الأقصى لحجز المحكوم عليهم في الغرف شديدة الحراسة، بالإضافة لتغيير المادة الخاصة بالحبس الانفرادي (التأديب) وتعميمها على كافة السجون بعد أن كان قاصرًا على الليمانات، وزيادة مدتها من 15 يومًا إلى 6 أشهر. ونصت المادة 82 على أن «يوقع على المحكوم عليه جزاء الوضع بغرفة خاصة شديدة الحراسة تتوافر فيها الشروط الصحية لمدة لا تزيد على ستة أشهر  بقرار من مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون، بناءً على طلب مأمور السجن، وبعد أخذ رأي طبيب السجن، وتحرير أقوال المسجون وتحقيق دفاعه وشهادة الشهود».
وجاء في التعديل أن الحالات التي يجوز فيها فرض عقوبة التأديب هي: «إحراز أشياء يحتمل حصول أذى منها للغير أو لأمن السجن، سرقة مفاتيح السجن أو تقليدها، الهروب أو الشروع فيه، التعدي على أحد الموظفين الذين يدخلون السجن لأداء عمل يتعلق بوظيفتهم أو على أحد الزائرين، إتلاف سجلات السجن أو أوراق المسجونين عمدًا أو إحداث تغيير فيها، إتلاف شيء من محتويات السجن عمدًا، إشعال النار داخل غرف السجن، إحداث حريق عمدًا بالسجن أو مرافقه، ضرب مسجون إذا أحدث الضرب إصابة تحتاج إلى علاج، ارتكاب أي أفعال من شأنها الإخلال بأمن السجن».
حاول «مدى مصر» الاتصال بمساعد وزير الداخلية لمصلحة السجون للتعليق على شهادات السجناء حول أوضاع زنازين التأديب، ولم ننجح في الوصول إليه.

إنهم يسرقون حياته

Ap
مدونات الجزيرة

كنت سابقًا ممن يؤمنون بأن السجن لا يقدر على حبس أفكارك، وأدركت لاحقًا أن السجن قادر على فعل ذلك، وقادر على حبس روحك وفكرتك وصوتك حتى ينساك الناس. السجن كما قال الماغوط "أن تكون غير مطمئن.. حتى إلى أحلامك". وهذا ما حدث مع علاء عبد الفتاح، السجين الشهير المنسي الذي اعتاد الناس على سجنه.

لا أتذكر كم مرة أردت الكتابة عن علاء، ولكني أعلم أنني حاولت كثيرًا فلم أستطع. الكتابة عن علاء مُرعبة، وثقيلة جدًّا، وتجعلني أختنق، إنهم يسرقون حياته أمام أعيننا. ثم إن الكتابة عن السجناء بشكل عام قد تقودك إلى عزلة لا يعلم نهايتها إلا الله. يقولون إن في السجن نحو 60 ألف سجين، وإذا كتبت قصة كل واحد فيهم سأحتاج إلى 60 ألف مقال، و60 ألف حياة، فبعد كل كلمة أكتبها عن سجين أشعر بأن الحياة توقفت وأحتاج إلى أخرى، ولكني سألت نفسي سؤالًا: "إذا شعرنا بالموت لأننا نكتب عن السجناء فقط، فما بال السجناء أنفسهم؟".

هل أكتب عن علاء الذي منعوه من قراءة الكتب داخل محبسه أو من الاطلاع على مجلات ميكي ماوس؟ إلى أن تقلصت أحلام أسرته من الإفراج عنه إلى محاولات بائسة لإدخال الكتب إليه، فرفعت أسرته دعوى ضد رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس مصلحة السجون يطالبون فيها بإدخال الكتب إلى سجين في حبس انفرادي.. وعندما تتساءل ما الخطر الذي قد تسببه الكتب أو مجلات ميكي ماوس قد يبدو السؤال ساذجًا، لأنه لا معنى لذلك سوى أن الدولة لا تحب علاء، ولا تحب أن تجعل أيامه خلف الجدران تمر سريعًا.

الكتابة عن علاء مؤلمة، لأنك ستضطر إلى الكتابة عن بدايته، ليست بداية السجن، ولا بداية عودته إلى مصر، ولا بداية الثورة، لكنها بداية مولده.. وُلد علاء فوجد أباه "أحمد سيف الإسلام حمد" في السجن! وفي هذا قال سيف: "أنا آسف إني ورثتك الزنازين ولم أنجح في توريثك مجتمعًا يحافظ على كرامة الإنسان، وأتمنى أن تورث حفيدي خالد مجتمعًا أفضل مما ورثتك إياه". ولكن خالد ابن علاء حتى كتابة هذه الكلمات لم يرث المجتمع الديمقراطي الذي تمناه جده له، فخالد أيضًا ولد ليجد والده في السجن!

أما سيف الغلابة أحمد سيف الإسلام فقد توفي وترك علاء سجينًا، وكانت شقيقته سناء سجينة هي الأخرى لأنها طالبت بالإفراج عن علاء ورفاقه في قضية مجلس الشورى، خرج رفاق علاء في القضية بعفو رئاسي، عدا هو وطارق موكا، وقد قال سيف سابقًا إنه "لن يطلب عفوا رئاسيا من أحد لنجله، ولكنه يريد فقط المحاكمة العادلة". وهذا ما طلبه علاء نفسه أثناء محاكمته "المحاكمة العادلة" فاتهموه بإهانة القضاء! ودائمًا ما يؤخذ كل كلام علاء ومواقفه إلى المحكمة، في أحداث ماسبيرو حاكموه عسكريًا واتهموه بسرقة دبابة، لموقفه حينها من مساندة الأقباط.

سُجن علاء، كم مرة؟! لا أدري، ولكنه سجّل رقمًا قياسيًّا في عدد مرات الاعتقال. سُجن في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ثم في عهد المجلس العسكري، وبعدها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، والرئيس السابق المؤقت عدلي منصور، وأخيرًا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وفي 19 (أكتوبر/تشرين الأول) الجاري تنظر محكمة النقض الحكم الصادر ضد علاء في قضية مجلس الشورى بالحبس 5 سنوات والمراقبة 5 سنوات، بعدما أمضى في السجن 3 سنوات ونصف، وفي انتظاره حكم في قضية أخرى تم تأجيلها 3 أشهر من دون داع وهي قضية "إهانة القضاء".

قبل أن يُسجن علاء قال: "موتوا من الرعب على الناس اللي في السجون واتكلموا عنهم خلونا نطلعهم، لأن السجن والتعذيب مش رومانسية".


سجناء يرتدون الميري 2

gettyimages

بالأحمر

الشاويش راضي


هو “راضي” فقط عندما تعطيه مما أعطاك أهلك، علبة سجائر، ورقة ب 5 جنيهات، وأكاد أجزم أن الـ 5 جنيهات كانت تفعل ما لا يتخيله عقل مع هذا الراضي، لكن مفعولها يدوم يومًا واحدًا وربما ساعات، ولكنه على أي حال كان موفرًا للغاية وليس جشعًا، 5 جنيهات أو علبة سجائر ترضيه جدًا، يناديك بعدها بأفخم الألقاب، وكفيلة بأن تجعل السجين يتضامن مع هذا السجان الذي تسحره 5 جنيهات فقط، أو علبة سجائر رديئة. ولكن هذا الشعور بالتضامن قد يتحول إلى غضب لا نهاية له، عندما تعلم أن راضي أبلغ رجال المباحث بأن في حوزتك راديو، أو هاتف محمول، أو  أنك تجلس مع فلان الفلاني أوقاتًا طويلة. كانت سياسته مع السجناء وإدارة السجن تشبه سياسة النظام الحالي، فالنظام يحاول إرضاء كل المتضادين، روسيا وأمريكا، السعودية وإيران، وهكذا، وراضي كان يحاول إرضاء السجناء من أجل السجائر، والإدارة من أجل المكافآت الشهرية.


الشاويش أيمن


كان فمه كبيرا جدا، يشبه فم الخليج، عندما يضحك تظهر أسنانه الضخمة التي تشعرك بأنه من مصاصي الدماء، شاربه ضخم ربما يصل إلى لسانه الذي يشبه لسان القرود، طويل طول باب الزنزانة.
الشاويش أيمن سخّر زنزانة صغيرة بها 5 مساجين ليخزن بها أشيائه التي هي أشيائنا، كان يبلطج علينا عندما دخلنا سجن أبو زعبل، وكان له قانون صريح “على كل زنزانة أن تعطه مما لديها حتى يفتح لنا الزنازين، كل طلب له ثمن، هكذاوبكل صراحة “.
كانت لدينا زجاجات “حاجة ساقعة”، اشتريناها من الكنتين لأنه كان فارغًا إلا من سواها، وكان لا بد أن نصرف تذاكر الشراء لأنها ستنتهي آخر الشهر.
دخلت “الدورة” وفتحت زجاجة الحاجة الساقعة وأفرغت فيها بعض الماء، ماء مني وليس من الصنبور؛ وكنا حينها في أوج الشتاء فكان الماء كثيرًا.
أعجبت الفكرة أحد السجناء، فدخل الدورة بعدي بزجاجة أخرى وفعل مثلي، وأغلقناهما بشكل جيد، وظللنا نضحك ونرقص وننتظر اللحظة التي يأتي فيها الشاويش أيمن؛ لحظة الانتقام؛ ولما وصل تبرعت أنا لأول مرة لأعطه زجاجتي، أعطيته واحدة في المرة الأولى وقلت:
– أحلى زجاجة حاجة ساقعة لأحلى شاويش أيمن في الدنيا.
نظر لي متعجبًا فكان لا يحبني لشعوره بأنني أتعالى عليه ولا أعطه من زيارتي أي شئ، فقلت:
– يا عم أيمن متزعلش مني بقى، خلاص احنا حبايب، طيب والله لا تاخد كمان واحدة، هات يا ابني كمان زجاجة حاجة ساقعة لأحلى شاويش في منطقة سجون أبو زعبل.
فشخ فمه وابتسم ابتسامة مصاصي الدماء، ونظر لي نظرة رضا.
ولا أدري هل اكتشف الشاويش أيمن أن الحاجة الساقعة كانت ممزوجة بالبول أم لا. ولكني كنت أتمنى ألا يكتشف ويشرب منها كما يشرب الظمآن في الصحراء.


الأمين مبروك
الشاويش مبروك، شاويش برتبة أمين شرطة، لذا له وضعه وسط الشاويشية، كما أنه وبلا فخر كان يدرس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة قسم التعليم المفتوح، حتى يحصل على شهادة جامعية ويصير ضابطًا، ورغم أنه مبروك لا يستطيع القراءة جيدًا، إلا أنه كان واثقًا من نجاحه في الكلية. ولما سألته عن سبب إصراره على التعليم في هذا العمر؟ فاجأني بأنه عندما يتخرج من الكلية، سيحق له أن يعلق نجمة، ويصير ضابطًا. كان يقولها وهو يتأمل نفسه يرتدي بذته وعليها نجمة الضباط.
في يوم  نظم زملائي الصحفيين وقفة على سلم نقابة الصحفيين، تطالب بالإفراج عن المصور الصحفي محمود أبو زيد شوكان، وعني، فنشرت جريدة الشروق خبر على الغلاف ووضعت صورتي وصورة شوكان.
كان مبروك يحب الشهرة جدًا، ويحب أن يخدم كل من يذكر اسمه في أي جرنال، فما بالك لو كانت صورته هي التي نشرت! كان عم محمود زميلي في الزنزانة يعلم ذلك جيدًا، فوجدته يخبر الشاويش أيمن بأن العالم في الخارج غاضب لأجلي وبأن الجرائد مقلوبة، كان يزودها جدًا، فأنا لم يذكر اسمي في الجرائد إلا في أخبار القضايا ومقالات الروائية أهداف سويف في جريدة الشروق.  لم يصدق مبروك أن صورتي في الجرنال إلا بعد أن رآها بنفسه، نظر للصورة ودقق فيها قليلًا، ثم نظر إليّ وقال:
= صحيح والنبي يا عم محمود، ده هو بجد!.
ومن وقتها بدأ يعاملني معاملة خاصة، حتى أنه كان يفتح لي باب الزنزانة ويقول لي “ما تخرج بره الزنزانة تشم هوا شوية” ، كما أنه لم يمانع من زيارتي لرفيق صبري في زنزانته، أو أن يأتي ياسين ليجلس معي في. أذكر أنني يومًا قلت له أريد أن يجلس معي ياسين قليلًا، فلم يتردد وذهب إلى زنزانة ياسين، وأيقظه من نومه:
– اصحى يا ياسين واغسل وشك بسرعة وتعالى عشان الأستاذ أحمد عايزك.
ياسين كان سيقتلني لأنه استيقظ من النوم مبكرًا ولكن عجبته الفكرة جدًا، وفي يوم تبدل حال مبروك، فعلمنا أن بريق الشهرة قد انطفى، وجاء عم محمود من جديد ليريه خبرًا على الصفحة الرئيسية في جريدة ديلي نيوز ايجبت  المحلية التي تصدر باللغة الانجليزية، وقال له أنها جريدة عالمية، ولم يصدق مبروك ما يراه وقال لي وهو يضحك وينبهر أكثر:
= ده بالانجليزي يا أستاذ أحمد، بالانجليزي صح؟
لم أرد ونظرت له متكبرًا فقال عم محمود:
– طبعًا بالانجليزي، وفي جرايد بلغات تانية كتير، بقول لك عالمي.
ومن وقتها لم يرفض مبروك لي أي طلب، وأعتقد أنه كان يريد توقيعي على بدلته الميري لينال شرف أن أحد الصحفيين الذين تنشر صورهم في الجرائد قد وقع له على البدلة، ولما حصلت على براءة كان مبروك قد أخذ مني وعد بأنني لن أنسى جدعنته ووقوفه بجانبي قد أخذ مني وعدا بأن أكتب قصته، لا أعلم ماذا كان يريد أن أكتب في قصته بالتحديد، ولكن  ها أنا أكتب، فهل سيقرأ؟!
***
ملحوظة: أسماء الشاويشية ليست حقيقية، وتم تبديلها بأسماء من الخيال حرصًا على سلامة من يتعاملون مع السجناء بشكل إنساني.

سجناء يرتدون الميري 1

getty images


     الشاويش مثلنا، يُعد من السجناء، نحن سجناء لأننا عملنا في الصحافة أو تظاهرنا أو أجرمنا، وهو سجين لأنه لم يجد سوى هذه المهنة التي تجبره على أن يعيش طوال عمره في السجن، لكن الشاويش دائمًا لديه خوف منّا، كلما يفتح باب الزنزانة يظل مترقبًا ومستعدًا لأي هجوم، يظهر الارتباك في عينيه، ولا يدخل الزنزانة مهما حدث.. وفي نقاش مع أحدهم قال لي "هل تظن أنكم فقط السجناء؟ نحن أيضًا سجناء، أنا ممنوع من التحدث في الهاتف مثلك، وممنوع من الخروج خارج السجن إلا في الأجازات، نحن سجناء يرتدون الميري، ولو حسبتها ستجد أننا قضينا أكثر من ثلث عمرنا في السجن، أما أنت وأمثالك ستترك السجن يومًا ما".

الجيزاوي
"سبت الموقع أنا والوزير، وأنا شايف الواد عمال يتنطط كده زي فرقع لوز، ببص ع الواد قلت الواد ده باين له مش هيجبها لبر، لقيته إيه بيطلع مدفع رشاش، رحت طالع للواد، قلت له اضرب يا ولا، اضرب يا ولا".. هذا المشهد من فيلم الواد محروس بتاع الوزير، هو المشهد الذي كان يمر بخيالي دائمًا عندما يتحدث هذا الكائن الجيزاوي الفريد من نوعه، فالجيزاوي أغبى شاويش خلقه الله على وجه الأرض؛ وفي ظني أنه لو وزع غباءه على العالم لعدنا إلى العصر الحجري، كان يتحدث يتكلم بنفس طريقة عادل إمام في فيلم "محروس بتاع الوزير" وإن كان محروس بتاع الوزير فقط، فكان الجيزاوي بتاع كل من يعطه الهدايا حتى لو كانت علبة سجائر كليوباترا.. عندما رأيته في المرة الأولى  وهو يتحدث أصبت بهيستريا ضحك لا ينته،  والحقيقة أن وجوده كان مهم ليهون علينا ملل الوقت الذي يمر كالسلحفاة، ولو علمت إدارة السجن قيمة  كائن الجيزاوي في فن الضحك لأبعدوه عن العنبر السياسي.
 نجح أحد السجناء في إقناع الجيزاوي أن شجرة الزقوم شيء طيب، وظل كلما يراه يقول:
= روح يا جيزاوي، ربنا يسقيك من شجرة الزقوم.
فكان الجيزاوي يفرح كلما سمع هذا الدعاء على سبيل أنها شجرة في الجنة مثلًا، أو شجرة تنتج علب سجائر "مارلبور".
 في يوم فتح الجيزاوي الزنزانة وحاول أن يبدو غاضبًا وقال:
 - مين الدموسة اللي مش متربي اللي بيقول يا جيزاوي حاف كيده، اسمها الشاويش جيزاوي.. خايفين تجولوا مين يا دحش انت وهو؟!
 ضحكت إلى حد البربرة، وضحك المساجين وأعتقد أني رأيت الجدران تشققت من فرط الضحك، احمر وجهه وقال بشكل كوميدي آخر يشبه الأراجوز:
- يمين 3 بالله العظيم لأوريكم أيام أسود من السواد نفسيته.
 ضحكنا مرة ثانية، فأغلق الباب بعصبية، فضحكنا أيضا، وضحك الباب؛ ثم قام عم محمود وفي يده علبة سجائر، ونادى عليه من دون لقب الشاويش، رجع الجيزاوي كطفل قد أخذ على خاطره وهو ينظر إلى علبة السجائر وكأنه ينتظر اللحظة التي تقع هذه العلبة في يده، وقال:
 - يعني ينفع أتهزأ كيده في زنزانتك يا عم محمود.
= افتح بس يا جيزاوي هقول لك حاجة.
فتح باب الزنزانة، ولم يفتح عقله أبدً، وأخذ علبة السجائر  التي كان لها مفعول سحري وغيرت من عصبيته المضحكة بشكل سريع وصار هادئًا إلى حد ما، ولكن هدوءه يجعلني أضحك أيضًا، ابتسم الجيزاوي وتناسى كل شئ، وقال بهدوء:
- انتم زي اخواتي وأنا مقدرش أزعل منيكم، بس متعملوش كيده تاني.
وهكذا ظلت حياة الجيزاوي طوال فترة السجن؛ يغضب، فنضحك، فيأخذ علبة سجائر فيعود لطيفًا.

كابتن سامي
جميعهم مرتشون إلا قليلًا، واحد منهم اسمه "سامي" ينادونه كابتن سامي، لم أقابل في حياتي شخص عفيف مثله، لا يأخذ أي رشوة من سجين؛ يؤدي عمله وكأنه عمل مقدس، ملتزم بشكل يدعوك للتعجب، كان يزعجنا لأننا نحب المرتشي، نعم نحب المرتشي الذي يحصل على السجائر ويترك لنا أبواب الزنزانة مفتوحة ساعة أخرى للتهوية لكنه يأمرنا بعدم الخروج من الزنزانة أبدًا، ونُفضل الشاويش المرتشي الذي يحصل على 3 علب سجائر فيترك باب الزنزانة مفتوح ويسمح لنا بالخروج على استحياء.
أما كابتن سامي، فكانت مواعيده دقيقة، يفتح الزنزانة من التاسعة صباحًا إلى العاشرة صباحًا، ولا يسمح لنا بالخروج من الرُّبع (طرقة تشبه طرقات العمائر تضم 3 زنازين، مغلقة بالقضبان عرضها لا يتخطى مترين، وطولها نحو 90 متر) في أثناء هذه الفترة، وهو الشيء الذي جعله مكروه من الجميع، السجناء كرهوه لأنه يغلق عليهم، والشاويشية يكرهونه لأنه ليس مرتشي مثلهم.
  لكني كنت أحترمه جدًا، وكان يبادلني الاحترام. أذكر أنني حاولت إعطاءه  قطعة لحم جائتني ضمن الزيارة؛ فرفض بشكل عجيب؛ سألته:
- لماذا ترفض؟
= حتى لا يظن أحدًا أن له عليّ فضل، فيطلب مني ما لا تسمح به القوانين.
أقسمت أنها ليست لغرض سوى المحبة؛ فأخذها مبتسما وقال:
= لأنك أقسمت فقط.

محمد رمضان
يشبه كابتن سامي في عدم حصوله على رشاوي من أحد، لكنه مرح دائما، ويحب السجناء السياسيين ويستجب لطلباتهم من دون مقابل، فكان السجناء يحبونه جدًا، والشاويشية كذلك نظرًا لخفة ظله.
لاحظت أنه يستجيب أكثر  للسجناء الذين لا يشعرونه بأنه "شاويش" وأنه مثلهم ولا يقل عنهم شيئَا،كان يكره كلمة "شاويش" يحب أن يناديه الناس هكذا "يا محماااا يا رمضان"،  كان يحب الشعور بأن السجناء السياسيين أصدقائه لأنهم "متعلمين وولاد ناس" كما كان يقول، وكان يكره الإخوان جدًا، ولكنه كان يحبهم من الناحية الأخلاقية، يرى أنهم محترمين ومتدينين، لكنهم أغبية وما ينفعوش يحكموا البلد.
كما أنه لم يخشَ دخول أي زنزانة بل كان يجلس معنا على البُرش ويأكل معنا، نظرًا لأنه لم يؤذِ أي مخلوق.
أذكر أنني كنت في التأديب يومًا وحاول رمضان تهريب مصحف لي، وفي التأديب ممنوع دخول أي شيء، حتى المصاحف، والأحذية، ونجح في ذلك، وبعيدًا عن أنني لم أستطع القراءة من المصحف نظرًا للظلام الدامس في زنزانة التأديب، إلا أنني قدّرت له ذلك جدًا، لو علمت إدارة السجن أنه فعل ذلك سيعاقب. لم أتوقع أن يعرّض شاويش نفسه للعقاب من أجل سجين، وخاصة هنا في أرض الظلم "مصر".