إعدام المجتمع المدني: كل ما نعرفه عن قانون الجمعيات الأهلية

( مصدر الصورة : الكرملين - موسكو )

إضاءات

نشرت الجريدة الرسمية، في 20 مايو/أيار الماضي، قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية المثير للجدل، رقم 70 لسنة 2017، بعد أن صدق عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
ورغم أن المادة 75 من الدستور المصري نصت على أن:
للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. وتمارس نشاطها بحرية، ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل في شئونها، أو حلها أو حل مجالس إداراتها أو مجالس أمنائها، إلا بحكم قضائي
فإن قانون الجمعيات الأهلية الذي صدق عليه الرئيس السيسي يمنح صلاحيات واسعة الجهة الإدارية، تمكنها من التدخل في شئون الجمعيات أو حلها أو حل مجالس إداراتها.

اعتراض وزيرة التضامن على القانون

كانت الحكومة المصرية قد عزمت على إصدار قانون مشابه للقانون الجديد في عام 2014، لكنها تراجعت عن العمل به نظرًا للانتقادات الواسعة التي وُجِّهَتْ للقانون على المستوى الدولي والمحلي.
وما أثار علامات استفهام حاليًا أن البرلمان المصري قد صدق على القانون رغم اعتراض وزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، على بعض نصوصه، فالقانون أسوأ من سابقه لكونه يسمح بعقوبة الحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات لرؤساء الجمعيات والعاملين بها، وغيرها من المواد التي تعرقل عمل المجتمع المدني.

ما هي الجمعيات الأهلية؟

الجمعيات الأهلية أو «منظمات المجتمع المدني» هي كيانات لا تهدف للربح، وتقدم هذه الجمعيات خدمات «ضرورية» للمجتمع، ولا تقتصر هذه الجمعيات على المنظمات الحقوقية التي يبدو أن القانون قد صدر للتضييق عليها، ولكنها تشمل كذلك «الجمعيات الخيرية، والمنظمات المعنية بتطوير التعليم أو الصحة أو الثقافة» وغيرها.
وسيؤثر هذا القانون على نحو 47 ألف جمعية محلية و100 أجنبية تعمل في مصر، وفق تقديرات رسمية.

تضليل الرأي العام

بعدما صدق البرلمان على قانون الجمعيات الأهلية، في نوفمبر/تشرین الثاني 2016، نشرت جرائد محسوبة على النظام الحالي أخبارًا تضل الرأي العام، وكانت عناوين إحداها أن «البرلمان يوافق على خضوع الجمعيات الأهلية للجهاز المركزي للمحاسبات». ما يعطي انطباعًا للجمهور بأن الجمعيات الأهلية لا تخضع للرقابة المالية، وبأن القانون قد اقترح خصيصًا من أجل مراقبة الجمعيات الأهلية.
كما تجاهلت الجرائد المعروفة بتبعيتها للسلطات المصرية سلبيات القانون مثل:
  • عرقلة العمل الخيري قبل الحقوقي.
  • استخدم مصطلحات دون تعريف دقيق لها، ما يسمح للسلطات باستخدامه لتوجيه اتهامات ضد أي جماعة.
  • تجريم المشروع للعمل أو البحوث التي تضر “بالأمن القومي أو الوحدة الوطنية أو النظام العام أو الآداب العامة”، دون تعريف دقيق لهذه المصطلحات، مما يسمح للسلطات باستخدام القانون المقترح لتوجيه اتهامات ضد أي جمعية أهلية.
  • سيقضي على المنظمات والجمعيات، ولن يتبقى سوى المنظمات التي تريد الدولة بقاءها فقط.
  • سيمنع المنظمات غير الحكومية المستقلة من العمل.
  • سيؤثر على 47 ألف جمعية محلية و100 أجنبية تعمل بمصر، منها مؤسسات معنية بالتعليم والصحة وأطفال الشوارع وغيرها.

شهادة إعدام المجتمع المدني

تتجاهل السلطات المصرية كل الانتقادات الدولية والمحلية التي وجهت للقانون، وتسعى في طريقها للتضيق على منظمات المجتمع المدني أو محاولات القضاء عليه دون النظر للآراء الأخرى، حتى لو كانت من جهات مؤيدة لها.
فقالت منظمة العفو الدولية في بيان لها صدر في آخر يناير/كانون الثاني الماضي إن:
القانون يفرض قيودًا شديدة لم يسبق لها مثيل على الجمعيات الأهلية، ومن شأنه أن يكون بمثابة حكم بالإعدام على جماعات حقوق الإنسان في البلاد
كان لمنظمة هيومن رايتس ووتش رأي مشابه، ففي نوفمبر/تشرین الثاني 2016 قالت إن القانون «سيدمر المجتمع المدني في البلاد لأجيال وسيحوله إلى ألعوبة في يد الحكومة».
أيضًا أعرب نائب رئيس الحكومة البلجيكية ووزير الخارجية، ديديه رايندرس، 1 یونیو/حزیران الجاري، عن قلقه من اعتماد قانون المنظمات غير الحكومية الجديد في مصر، وإغلاق بعض المواقع الإخبارية بحجة أنها تقدم دعمًا للإرهاب.
كما أن الاتحاد الأوروبي سجل اعتراضه على القانون، قائلًا إن: «من شأنه أن يضع عبئًا إضافيًّا على أنشطة المنظمات غير الحكومية، ويقيد مجال النقاش والمناقشة في البلاد».
وقال بيان أوروبي صدر عن مكتب منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن:
القانون يجعل مساهمة المجتمع المدني في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر صعوبة
كما أن رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة، المعروف بتأييده للنظام المصري الحالي قال في تصريحات صحفية: «إن القانون مخالف للمعايير الدولية والدستور المصري، ويمثل انتهاكًا جسيمًا لحرية المجتمع المدني، ويشكل قيودًا لا أساس لها وغير مبررة».

مواد القانون ومعركة البقاء

يضم القانون 89 مادة، وفيما يلي أبرز المواد التي تهدد استمرار منظمات المجتمع المدني، أو استقلالها عن السلطات:
المادة 2 من القانون تنص على:
جميع الكيانات التي تمارس العمل الأهلي وفق التعريف المنصوص عليه في القانون المرافق، أيًا كان مسماها القانوني، عليها أن تقوم بتوفيق أوضاعها وفقًا لأحكامه، وذلك خلال سنة من تاريخ العمل به، وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها
تشترط المادة 3، من قانون الجمعيات الأهلية أنه: «يجب على الجمعيات العاملة في المحافظات الحدودية الحصول على موافقة المحافظ، ثم موافقة رئيس مجلس الوزراء».
كما نصت المادة على أنه «لا يجوز للجمعيات ممارسة نشاط يشبه الأنشطة الحزبية أو النقابية أو العمالية أو تحمل طابعًا سياسيًّا».
وتعرقل هذه المادة تأسيس الجمعيات، كما تثير مخاوف لدى منظمات حقوق الإنسان من إصدار بيانات تدين على سبيل المثال انتهاكات داخل السجون، لأن السلطات قد تعتبرها عملًا سياسيًّا!
وفي المادة 14:
الجمعيات تعمل على تحقيق أغراضها بشرط أن تكون «وفقًا لخطة الدولة واحتياجاتها التنموية»، وهو ما يعني أن كل عمل لا يتوافق مع خطة الدولة قد يؤدي إلى حل المنظمة أو الجمعية
والمادة ذاتها اشترطت على الجمعيات عدم إجراء استطلاعات رأي، أو نشر، أو إتاحة نتائجها للجمهور، أو عمل أبحاث ميدانية، أو عرض نتائجها على الجمهور، قبل عرضها على الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات اﻷجنبية، وذلك بزعم «التأكد من سلامتها وحياديتها».
كما حظرت المادة ذاتها «منح أية شهادات علمية أو مهنية».
وللجمعيات والمنظمات الاشتراك مع منظمات أو جمعيات أخرى في نشاطات لا تتنافى مع أغراضها، بشرط الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية. وفقًا للمادة 19 من القانون.
وتنص المادة 21 على أنه:
لا يجوز للجمعية فتح مقرات تابعة لها في محافظة أخرى إلّا بعد موافقة كتابية مسبقة من الوزير المختص
أما المادة 23 فتوجب إخطار الجهة اﻹدارية قبل تلقي الجمعية تبرعات من داخل مصر بـ 30 يومًا! وتشترط المادة 24 من القانون أيضًا موافقة الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات اﻷجنبية غير الحكومية على التبرعات أو التمويلات الخارجية.
وفي المادة نفسها: للجهاز الرد خلال 60 يومًا بالموافقة على التبرعات أو الرفض. وعدم رد الجهاز خلال 60 يومًا اعتبره القانون عدم موافقة.
وبحسب المادة 27 فإن:
لممثلي الجهة الإدارية دخول أي مقر من مقرات الجمعيات الأهلية وفحص أعمالها من الناحية الفنية للتحقق من مطابقتها للقانون أو «لتقديم الدعم الفني»
وفي المادة 42 تقضي المحكمة بعزل مجلس إدارة الجمعية وتعيين مجلس مؤقت «بناء على طلب الجهة الإدارية» في حال ممارسة أنشطة لم يصرح بها، أو الانتقال إلى مقر جديد دون إخطار الجهة الإدارية خلال 3 شهور.
ولا يجوز للجمعيات أو الكيانات الخاضعة ﻷحكام هذا القانون وفق المادة 66:
الاستعانة باﻷجانب سواء في صورة خبراء أو عاملين مؤقتين أو دائمين أو متطوعين إلا بعد الحصول على ترخيص مسبق من الجهاز
وتنص المادة 72 على أن يتولى إدارة الجهاز مجلس إدارة، يصدر بتشكيله قرار من رئيس الجمهورية، برئاسة رئيس متفرغ يكون بدرجة وزير لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وعضوية ممثلين للوزارات والجهات المعنية التالية، يختارهم الوزراء ورؤساء تلك الجهات:
  • ممثل  لوزارة الخارجية
  • ممثل لوزارة الدفاع
  • ممثل لوزارة العدل
  • ممثل لوزارة الداخلية
  • ممثل لوزارة التعاون الدولي
  • ممثل للوزارة المختصة
  • ممثل لجهاز المخابرات العامة
  • ممثل للبنك المركزي
  • ممثل لوحدة غسل الأموال
  • ممثل لهيئة الرقابة الإدارية
ومن أخطر المواد التي ينص عليها القانون المادة 87. وحسب المادة، تتراوح عقوبة الحبس بين سنة وخمس سنوات، باﻹضافة إلى غرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه؛ في حال معاونة أو مشاركة منظمة أجنبية في نشاط  داخل مصر دون الحصول على تصريح.
كما يعاقب بالعقوبة نفسها من يجري  أو يشارك في بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل اﻷهلي دون الحصول على موافقة مسبقة.
واعتبرت المادة 88 أن نقل مقر الجمعية إلى مقر جديد بخلاف المكان المُخْطَر به «جريمة»، ويعاقب مرتكبها بالحبس لمدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن 20 ألف ولا تزيد على 500 ألف جنيه!
يذكر أن مصر شهدت انتهاكات غير مسبوقة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في یولیو/تموز 2013، وتتعرض جماعات الحقوقيين لإجراءات المنع من السفر، وتجميد الأموال، إضافة إلى التحقيقات الجارية مع بعض العاملين في منظمات غير حكومية في اتهامات بالتمويل الأجنبي، وهي التهمة التي قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد.
وعادت القضية  173 لسنة 2011 المعروفة إعلاميًا بـ «قضية التمويل الأجنبي» على الرغم من انتهائها نظريًا في 1 مارس/ آذار 2011 بخروج المتهمين الأساسيين في القضية من مصر (بينهم تسعة أمريكيين) بعد أن رفعت السلطات المصرية أسماءهم من قوائم المنع من السفر، وبعد أربعة أعوام من غلق القضية فُتِحَتْ مرة أخرى ووُجِّهَتْ اتهامات لمنظمات وأشخاص لم يكونوا مدرجين في القضية.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة