الكتابة محتاجة "راجل عسكري" !

صحيفة النهار




في زمان ما، وفي بلد ما، كان هناك رجل عسكري ما، يتحدث باسم جيش ما، ولمّا استقال منه شعر بفراغ ما؛ فقرر اكتشاف موهبته التي دُفِنَت في أعماقه منذ زمن بعيد، منذ حوالي خمسة دقائق، إنها موهبة الكتابة، لا، اكتشف أن لديه موهبتين "الكتابة، والعمل الإعلامي".

جيشه كان قد سيطر على مؤسسات إعلامية ما، كلفته أموالًا باهظة، هي في الأصل أموال الشعب، ولكن أموال الشعب فداء للجيش، والشعب نفسه فداء للجيش، والجيش خط أحمر، والشعب خط أخضر. هذه الأموال التي تُدفع في مؤسسات إعلامية من أجل تغييب الوعي (الذي لا يحتاج إلى تغييب لأن الأطباء وما تبقى من العقلاء قالوا أن الوعي في الإنعاش واقترب للموت أكثر من اقترابه للحياة) قد تكفي هذه الأموال لبناء مليون وحدة سكنية، واستصلاح مليون فدان، وتوظيف مليون شاب، وتوفير عيشة كريمة للعساكر، وتوفير السكر والزيت والدواء والأرز واللحوم للفقراء مجانًا؛ ولعمل مصانع أسلحة خاصة بالجيش بدلًا من استيراد السلاح من الخارج. ولكن هذه البلاد كانت تصدر موارد ما إلى الخارج، ثم تحصل عليها مرة أخرى بأضعاف سعرها لشيء لا يعلمه إلا الله، وحكام البلاد.


في زمان ما، وفي بلد ما، كان هناك رجل عسكري ما، يتحدث باسم جيش ما، ولمّا استقال منه شعر بفراغ ما؛ فقرر اكتشاف موهبته التي دُفِنَت في أعماقه منذ زمن بعيد.


قرر الرجل العسكري إدارة مؤسسة إعلامية ما، ولم ولن يعارضه أحد ما، خوفًا من مصير الاختفاء في سجن عسكري ما، لا يُعرف مكانه ولا متى وكيف تم انشاءه؟ يقولون أن مكانه في صحراء الجيش.

ارتدى العسكري زي مدني وأدار القناة، دخل مجال الإعلام، كما يدخل الرجل الحمام وقت "زنقته"، ففي هذه البلاد، من يملك الأموال يملك قناة إعلامية؛ لكن من يملك القوة العسكرية يمتلك الإعلام، ومن يملك الإعلام يملك الشعب، ومن يملك الشعب يملك الوطن، ومن يملك الوطن يحوله إلى زريبة؛ زريبة بلا حيوانات.

شعر الرجل العسكري بفراغ رهيب بعدما أدار القناة، فتخلص دوره في اختيار المواد التي ستعرض للجمهور، ومن الواضح أن العمل الجديد لم يحقق طموحه وأحلامه التي بناها في خمسة دقائق فقط، وقرر الكتابة في جريدة عريقة ما، لها تاريخ صنعه كُتّاب عظماء ما، يملكها رجل أعمال ما، عوقب بالسجن والإذلال كي تخضع جريدته للدولة، التي تخضع للجيش، فخضعت الجريدة وطردت كتاب ما لهم شأن ما، وأقلامهم حرة إلى حد ما.

وفي ليلة اجتمع العسكري بمساعده، ودار بينهما هذا الحوار:

العسكري: أريد أن أكتب في جريدة شهيرة.
المساعد: أوامرك سمعٌ وطاعة يا مولاي.
العسكري: بل أريد أن أكتب في جريدة شهيرة ومعارضة.
المساعد: أوامرك سمعٌ وطاعة يا مولاي.
العسكري: لا، أريد أن أكتب في جريدة شهيرة ومعارضة وكان بها كُتّاب عظماء حتى يقال أنني صرت واحدًا منهم.
المساعد: أوامرك سمعٌ وطاعة يا مولاي.

اتصل المساعد بالجريدة التي خضعت لصاحبها، والتي خضع صاحبها للدولة التي بدورها تخضع للمؤسسة العسكرية، ليخبرها بشأن العسكري الذي اعتزل العسكرية على الورق فقط؛ ويريد الكتابة.

المساعد: إنه يريد الكتابة لديكم، فهل عندكم اعتراض؟

الجريدة: طبعًا من حقه أن يكتب في جريدتنا، أما الاعتراض فهذه مسألة أخرى سنحتفظ بها لأنفسنا، لأسباب معلومة مجهولة.. يا أهلا وسهلًا بالكاتب الجديد.

المساعد: لكن أريد أن أصارحكم بأنني أشك في كونه لديه القدرة على الكتابة؛ وهذا قد يُعرّض الجريدة للانتقاد والحرج؛ فهل لديكم مانع؟

الجريدة: لا تقل هذا يا سيدي! فكما أن البلد تحتاج إلى رجل عسكري، والأسعار تحتاج إلى وزير عسكري، والإعلام يحتاج إلى رجل عسكري، والقضاء يحتاج إلى رجل عسكري، والصحافة إلى رجل عسكري، والهواء والماء والأسماك والسبّاك والفوسفات والاتصالات والاتحادات والنقابات والنفايات والانتخابات والعبادات والهراوات والراقصات والعلاقات الخارجية والداخلية والتجارية والأراضي الزراعية والصحراوية والأقمار الصناعية والأقمار الطبيعية ومحلات الفول والطعمية يحتاجون إلى رجل عسكري؛ لا بد أن الكتابة تحتاج إلى رجل عسكري، وأن لديه القدرة على الكتابة؛ لأنه كما تعلم ينتمي إلى مؤسسة عسكرية.

المساعد: وماذا لو اكتشفتم أنه لا يملك موهبة الكتابة؟!

الجريدة: ولا يكون في علمك سيدي، المهم أه يملك الانتماء للمؤسسة العسكرية؛ وماذا فعلنا في الموهوبين سابقًا غير أننا طردناهم، ولم يتبقّى منهم سوى قلة قليلة، سيُطردون قريبًا، ولن يبقى حينها مكان سوى لمن لا يملكون الموهبة، ولكنهم يملكون القوة ، أو المال، أو التبرير.

المساعد: وهو كذلك، احجز لي مكانًا عندكم، فلدي من الشرط الأخير ما لا تتخيله من مواهب.

عاد المساعد للرجل العسكري الذي كان يتحدث سابقًا باسم الجيش، ليخبره بما جرى مع الجريدة، مع قليل من التطبيل لا يضر.

المساعد: وافقت الجريدة، وهي جريدة لها باع في الكتابة والصحافة، ولا تقبل بأي كاتب ينضم لها إلا لو كانت ذو موهبة عظيمة، ولكن الجريدة لما علمت بأنك تفكر في الكتابة، كادت أن تتوسل إلينا لأن يحدث ذلك وأن تكتب لديهم، وبعدها أقاموا الاحتفالات.

العسكري: عظيم، عظيم.. خذ؛ هذا أول مقال كتبته في أقل من ساعة.

نظر المساعد في العنوان وتجمدت ملامح وجهه بشكل لا إرادي.

فسأله العسكري: - لا يعجبك المقال؟

المساعد: "فَشَر" من قال هذا؟!

العسكري: ملامح وجهك!

المساعد: فلتذهب ملامح وجهي إلى الجحيم، المقال يعجبني جدًا، إنه يعجبني أكثر من أول فتاة أعجبتني في حياتي، وأكثر من اعجابي بقدرتي على النفاق.

العسكري: وما رأيك في العنوان؟

يقرأ المساعد العنوان مُتسلطنًا حتى كاد يغنيه:- ما أجمل الفوز بالبامية، الله، الله، الله. إنه عنوان رائع، إنه أجمل من عنوان بيتك الجديد الذي يطل على النيل مباشرة.

العسكري: سأكتب أشياءً مماثلة.

المساعد: كيف سيدي؟

العسكري: ما أجمل الفوز بسامية، ما أجمل الفوز بالدوري، ما أجمل الفوز بالكاس، ما أجمل عصير الأناناس، ما أجمل طبخة القلقاس.

المساعد: هايل، عظيم، ما كل هذه المشاعر الفياضة؟ هل تقصد أن تكتب سلسلة كاملة بهذا الشكل؟ وتسميها "ما أجمل".

العسكري: نعم.. وسأكتب سلاسل أخرى وأطلق عليها مثلًا "ما أعظم، ما أحلى، ما أقذر، ما أفظع، ما ألعن،" فأنا لدي موهبة الابتكار، وللعلم هناك مفاجأة كبرى سوف أكتب عنها.

المساعد: دعني أخمن سيدي، بما أنك رجل عسكري قديم، ستكتب عن قوة الجيش.

العسكري: لا.

المساعد: إذًا لا بد أنك ستكتب عن نقاط ضعف الجيش.

العسكري: لا.

المساعد: ماذا يريد الجيش؟

العسكري: لا.

المساعد: مستقبل الجيش.

العسكري: لا.

المساعد: انجازات الجيش.

العسكري: لا.

المساعد: أخطاء الجيش.

العسكري: لا.

المساعد: ماذا يصنع الجيش؟

العسكري: لا.

المساعد: القدرة القتالية للجيش.

العسكري: لا.

المساعد: علاقات الجيش الخارجية؟

العسكري: لا.

المساعد: الداخلية.

العسكري: لا.

المساعد: المنوفية.

العسكري: لا.

المساعد: إذًا لا بد أنك ستكتب عن أن هذا الوطن يحتاج إلى رجل عسكري.

العسكري: لا.


دخل الكاتب العسكري مجال الكتابة من أوسع أبوابها، لكن الجريدة خرجت من مكانتها القديمة.


المساعد: عُذرًا سيدي، لقد خاب ظني، فماذا ستكتب؟!

العسكري: الليل وسماه.

المساعد: الله.

العسكري: الصباح ومحلاه.

المساعد: الله.

العسكري: النهار وضياه.

المساعد: الله.

العسكري: الحاكم واللي معاه!

المساعد: الله.

ودخل الكاتب العسكري مجال الكتابة من أوسع أبوابها، لكن الجريدة خرجت من مكانتها القديمة.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة