‏إظهار الرسائل ذات التسميات انتخابات الرئاسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انتخابات الرئاسة. إظهار كافة الرسائل

اكتمل العُرس الديمقراطي





مرحبًا بكم في مطعمنا، لدينا بُرجر ديمقراطي رائع، وقهوة مضبوطة بالديمقراطية، ولا نقدم سواهما، وللأسف لن تستطيعوا الخروج من المطعم إلا بعد طلب البرجر والقهوة، لأننا كما تعلمون نُطبق الديمقراطية، لكن إذا أردتم مغادرة المطعم دون أن تطلبوا بُرجر وقهوة، فلكم حرية المغادرة؛ بعد أن تدفعوا ثمن الطلب الذي لم تطلبوه، وشكرًا لالتزامكم بقوانين مطعمنا الفاخر الديمقراطي.

هذه رسالة يسمعها كل زَبائِنُ المطاعم الديمقراطية العسكرية في وسط العاصمة، قد تبدو لك رسالة مُرعبة، لكن يا بني لا تخف، كل ما في الأمر أنك لم تعش ديمقراطية كديمقراطتينا، تلك الديمقراطية العظيمة التي اخترعها الزعيم؛ سيأكل زبائن المطعم بُرجر بلحوم القطط، وتشرب قهوة ممزوجة بالذرة والشعير والقمح وفول الصويا والأرز والسكر البني وشراب النشا؛ ولكنها حتمًا ستدفع ثمن الفاتورة مهما حدث، ولو كانت الفاتورة مرتفعة إلى حد السماء، ولو اكتشفوا أن هناك سعر للخدمة يصل إلى 20% من قيمة الفاتورة، و20 % ضريبة القيمة المضافة، و20 أخرى للقيمة غير المضافة، و20 لاحترام القيمة، و20 لقلة القيمة، وبقشيش إجباري، وبقشيش اختياري اجباري ديمقراطي، و90 % لصندوق يصب في مصلحة الوطن، وآخر في مصلحة المواطن، وآخر في مصلحة الرئيس. ولو كان في عائلتك رجل واحد فليتفضل يعرفنا بنفسه، في السجن متسع له، هذا إن نجاه الله من قطع لسانه أذنه، أو أشياء لا داعي لذكرها، وكلها بالطبع لو قطعت فهي قضاء وقدر، وهل يقدر أحدهم أن يكفر بالله ويعترض على قضائه؟!
وفي ليلة سمعت جدّي يتحدث مع "النقاش" بشكل ديمقراطي:
النقاش: يا حاج سعيد، إذا دهنت هذا الحائط بمعجون الديمقراطية، سيصبح شكله رديء، ألا ترى هذا اللون الأحمر الذي نشع على الحائط، هذه ديكتاتورية قديمة، لو وضعنا "وش" الديمقراطية على هذا الحائط سيضحك عليك الناس، والكلاب والخيل والحمير، والطيور، والنبات والجماد، والعالم أجمع.

جدّي: لا تجادلني وإلا اتهمتك بالخيانة، وأريدك أن تعلم أن هذا الحائط أسفله أيضًا دموية، وكل سنتيمتر منه ممزوج بالقمع الأسمنتي، ولكن مهما حدث ومهما قلت ومهما حاولت، سأدهنها دهان ديموقراطي، ولا تحدثني في الموضوع مرة أخرى، ادهن وأنت صامت وإلا دهنت وجهك القبيح، أو استعنت بقوات الشرطة الداعمة للديمقراطية. والحقيقة أن جدي استعان بغفر يعملون لديه ويقومون على حمايته نظرًا لأنه عمدة البلد، وأجبروا النقاش بشكل ديمقراطي على الاستجابة لأوامر جدي، وانتهى الحال بأن صار البيت شكله قبيح، مضحك، متسخ، الجميع ينظرون إليه ويضحكون، ولكن جدّي لا يبالي لما يقوله الجميع، ويصر على أن ما فعله في حائط المنزل هو أفضل دهان للديمقراطية في العالم، وأنه صناعة محلية، رغم شراءه من أمريكا.

كل شيء في هذا الوطن بات ديموقراطي؛ في شارعنا مطعم فول بالديمقراطية، وبجوار عملي سوق للملابس المستعملة الديمقراطية، ستشعر بالديمقراطية في كل شيء قُدر له الوجود بهذا الوطن، ستشعر بها على قفاك في قسم الشرطة، ستجدها عندما تضطر لدفع الرشاوي، في فواتير الكهرباء المرتفعة، في أتوبيسات النقل العام المتكدسة، في مترو الأنفاق الذي تحول إلى خلاط بشري متحرك، في مؤخرتك عندما تذهب إلى صناديق الاقتراع؛ بالمناسبة، لدينا انتخابات ديمقراطية، تخيل؟! هناك نحو 19 تريليون مواطن شارك في الانتخابات الديمقراطية العسكرية الراقصة، وحصد الرئيس 154 تريليون صوت، أي نعم تنافس الرئيس مع نفسه، أي نعم أُجبر الغلابة على التصويت أو الفصل من العمل، أي نعم دفعوا الرشاوي للفقراء كي يحتشدوا أمام صناديق الاقتراع، ولكن كل هذا من أجل الوطن، ومن أجل تطبيق الديمقراطية، إننا نخترع ديمقراطية لم تطبق في أي مكان في العالم.

ديمقراطيتنا، صمت، قمع، خوف، قتل، سفك، فقر، جوع، جهل، كوارث، تضليل، تطبيل، تخوين، تكفير، ديمقراطتينا تُباع على أرصفة الجيش، وفي طرقات الجيش، وفي شركات الجيش، من أراد ديمقراطية فلدينا هنا فائض.
 
الشعب الآن ينتظر الرئيس، ليعلن قرارات ديمقراطية جديدة تصب في مصلحة المواطن، ليرفع الدعم ويرفع المواطن، ليبني سجونًا جديدة وقصورًا أجدد، ليحاصر الصحافة ويحاصر مدينته الجديدة، ليحارب حقوق الإنسان ويحارب فلسطين، ليعدّل الرئيس من أجل أن يبقى في الحكم ولو لم يبق مواطن واحد في الوطن، ليعلن للجميع أنه أخيرًا "اكتمل العُرس الديمقراطي".


يوميات صاحب كُشك




مدونات الجزيرة

ماذا نحتاج من الدنيا الآن؟! هكذا سألت نفسي وأنا أطالع الإنجازات الحكومية التي نشرتها الجرائد القومية، الحمد لله، نحن نحارب الإرهاب جدًا، حتى لو لم ننتصر بعد، نحن ننتصر حتى لو قُتل أبناءنا على أيدي جماعات متطرفة. استطعنا حفر قناة جديدة، يدّعي البعض أنها تفريعة والعياذ بالله، ويزعم البعض الآخر أنها لن تفيدنا وحسبي الله، ولكني أشعر أنني استفدت منها جدًا، بصفتي صاحب "كُشك" سجائر في منطقة باب اللوق، فبعد طباعة صورة قناة السويس على عدد لا بأس به من الجنيهات المعدنية، توفرت "الفكة" أخيرًا بعدما كنت أعاني من ندرتها، وبعدما حدثت معارك عنيفة بيني وبين زبائن الكشك بسبب إصراري على إعطائهم الباقي في هيئة "لبان" وإصرارهم على أن أعطيهم حقهم "نقود" وكنت أتعجب من كونهم يظنون أن الكشك فرع للبنك المركزي، وأن عليّ توفير الفكة فورًا.

على كل حال ورغم أنني لا أرى من الإنجازات إلّا أن "كُشكي" العزيز ما زال قائمًا في مكانه، لم تهدمه الحكومة بعد، إلا أنني سأصدق كل ما يُكتب في الجرائد من إنجازات، ولا أحب أن يسألني أحدهم كيف أصدقها وأنا لا أشعر بها؟! ولو تصادف وسألني أحدهم، سأنظر خلفي ويميني ويساري وفوقي وتحتي، وأهمس في أذنه قائلًا: "لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم".

وفي إحدى الصباحات غير المبهجة التي لا تفرق عما قبلها، استيقظت من نومي مبكرًا جدًا، ونظرت بجواري فوجدت أحدهم يصدر أصواتا من أنفه، ووجدتي أصرخ وأضرب تعظيم سلام وأردد "سيادة الريس بنفسه؟" إلى أن سمعت صوتها وهي تتحصر على حالي "انت رجعت للحشيش تاني يا راجل؟"، إنها زوجتي، ولا أدري كيف خُيّل لي أنها الرئيس، يبدو أن رؤية صورته في كل مكان جعلتني أتخيلها هو، تركت غرفتي وحاولت فتح الشباك لأدخن سيجارة بملابسي الداخلية كالعادة، ولكن الشباك لم يفتح بسهولة، فتحته بالقوة فإذا بشيء كان متعلقًا عليه ويسقط في الشارع؛ نظرت إلى الأسفل فوجدت صورة الرئيس وكان أحدهم قد تبرع ليضعها على شرفة منزلي.

الحمد لله، لم يراني أحد الجيران حتى لا يظنني خائنًا أو جاسوسًا أو عضو في خلية ارهابية بعد أن أسقطت صورة الرئيس على الأرض فيبلغ عني فورًا ويتم تصفيتي في أثناء محاولتي إشعال السيجارة، تلفتّ يمينا ويسارًا فوجدت صورته معلقة هنا وهناك، نظرت إلى السماء باحثًا عن الشمس، فوجدته يحجبها ويبتسم لي وبجواره رمز النجمة وصورة للحاج برعي السباك يعلن دعمه بكل ما أوتي من صنابير مياه. أغلقت الشباك وفتحت التلفاز فوجدته في أخبار الصباح يحدثنا عن أنه استطاع محاربة الإرهاب في 3 دقائق، وأن الدولة تنشئ 9 مشاريع في الدقيقة الواحدة، وطريق جديد كل ربع ساعة، ويتحدث عن ضرورة رفع الدعم، وفي الوقت ذاته عن ضرورة تخفيض الأسعار، عن احترامه حقوق الإنسان، وعن انتقاده من يطالبه بتطبيق حقوق الإنسان في وقت يحارب فيه الإرهاب.

غلقت التلفاز، وأغلقت الشباك، وخرجت من المنزل وفي الشقة المقابلة وجدت باب جاري قد تحول إلى صورة كبيرة للرئيس، وفي كل طابق من العمارة وجدت الرئيس، ويا للهول وجدت على طاقية جلباب بواب العمارة وعلى حجاب زوجته، خرجت إلى الشارع فوجدته مؤخرات السيارات، وعلى عمدان النور، وفوق المدارس والمصانع والفنادق، والأتوبيسات العامة والخاصة، و.. ماذا؟ على قميصي أنا أيضًا! حاولت التأفف والغضب حينها، ولكني رأيت سيارات الشرطة مصطفة وراء بعضها ويبدو أنهم يبحثون عن مُعترض واحد، فضحكت جدًا، وهتفت رافعًا يدي إلى السماء "عاش الرئيس، أطال الله عمر الرئيس، حماكم الله، من دونكم كيف كنا نُعلّق كل هذه الصور لسيادة الرئيس بهذه السرعة؟".

والحمد لله، مر موكب سيارات الشرطة بسلام ولم يمسسني عسكري. ولما وصلت أخيرًا إلى الكشك الغالي على قلبي، وجدت سيارات شرطة وعساكر ولواءات وعمال وكراكات هدم وكأنهم قد نقلوا الحرب على الإرهاب من حدود الصحراء إلى حدود كشكي، يا إلهي، إنهم يحطمونه! حاولت الصراخ مستنجدًا حاولت البكاء حاولت الكلام حاولت التنفس، فلم أستطع، لأن ضابط شرطة قد أخبرني ألا أتحدث وإلا سيأخذوني على القسم مع الكشك. فحاولت حينها ألا أبدو للضابط على أنني معترض لا سمح الله، ولكني فقط أترجاه وأطلب السماح، على ماذا لا أدري، ولكني أبي رحمه الله قبل أن أرث منه الكشك قد أخبرني أن علي أن أطلب السماح من الشرطة عند الوقوع في مشكلة معهم، لأنني من دون تفكير المخطئ الوحيد في هذه المعركة، رجال الشرطة لا يخطئون ولا يذنبون.

نظرت إلى الضابط مبتسمًا جدًا وكأن شيئًا لم يحدث وقلت له:
- لا تهدموه لأنني أحبكم وأحبه، لا تهدموه لأنني أحب الرئيس وأحبه.
فهمس الضابط في أذني قائلًا:
- هذا هو "الكشك" الوحيد في المنطقة، الذي لم يعلق صورة الرئيس بعد. لن نسمح بالفوضى من جديد.

مناظرة رئاسية.. مشهد المسرحية الأخير

رويترز



مع أننا كنا في فبراير، إلا أنها كانت ليلة حارة جدا، وفبراير دائما متقلب، تتقلب أيامه بين المشمسة والممطرة والدافئة والباردة، يقولون في فلسطين "الرجال مثل شباط ما عليهم رباط"، وبهذا المثل جرى تشبيه الرجال بتقلبات وغدر شباط أو فبراير، لكننا مع كل فبراير تبدو علينا المفاجأة من كونه مُتقلبا.

الديمقراطية في بلادنا مثل شباط "متقلبة"، فلا تعاتب حاكما يقمع شعبه بدعوى الحفاظ على الوطن ومحاولة تطبيق الديمقراطية، وإعلاميا لا ينقل سوى صوت السلطة الحاكمة، وأناسا يدفعون الأموال للفقراء كي يشاركوا في مسرحية الانتخابات ليكتمل المشهد الديمقراطي العسكري العبثي. وهذا هو شباط أو فبراير، يأتي بمرشح جديد، لا يعلمه أحد، إلا من تأذوا منه سابقا.
في تلك الليلة اجتمعت جهات أمنية مع رئيس الجمهورية، كان غاضبا جدا بسبب محاولات إقناعه بأن يخوض مناظرة رئاسية على إحدى وسائل الإعلام. كان الغضب يكسو وجه الرئيس، لأنه يعلم أن الجماهير تتشوق إلى رؤيته، لا لأنها تحبه، لكن لأنها تحب أن تضحك على طريقته الساخرة، إنه يعوضهم عن غياب الفن الساخر، وهكذا تأخذ الجماهير خطاباته على محمل الضحك، بينما يأخذها هو على محمل الجد جدا.

الجماهير تضحك إلى حد البكاء على حديث الرئيس، وعلى صمته، وعلى تحركاته، وعلى قراراته، وعلى نظراته، فما بالكم لو كانت مناظرة مع كوميدي آخر لكنه غير معلوم. على كل حال، اقتنع الرئيس أخيرا بإجراء مناظرة، بعدما طمأنوه أن هذا الرجل الذي سيناظره يجعل الجماهير تضحك جدا، ستحمد الجماهير الله على أنه في حياتهم زعيم مثلك.

على شاشة التلفاز التابعة لأجهزة أمنية، ظهر إعلامي شهير تابع لأجهزة أمنية ليعلن للعوام المقموعين من الأجهزة الأمنية؛ أنه "إيمانا من السيد الرئيس، بأن الديمقراطية حق للشعب، وبأن على الشعب أن يختار مصيره (السجن أو القتل)  قرر السيد رئيس الجمهورية إجراء مناظرة رئاسية نارية، وعليكم أن تجهزوا أطباق المهلبية، وإن الرئيس كرم الله وجهه، سيجيب عن كل الأسئلة التي سألتموها، والتي لم تسألوها".
ظل الإعلامي طوال حلقته يتحدث عن عظمة الرئيس التي تخطت عظمة جيفارا، وصبره الذي تخطى صبر غاندي، وغضبه الذي يخشاه الأعداء، وذكاءه الذي تخطى ذكاء أينشتاين، وأدبه الذي تخطى أدب دوستويفسكي، وخفة دمه التي تخطت خفة دم عزيز نيسين، وفلسفته التي تخطت فلسفة أوليفر ساكس، وألبير كامو، وآرثر شوبنهاور، وإريك هوفر.. لكن الإعلامي نسي أن يذكر اسم المرشح الآخر، مع أن الحلقة تخطى عدد ساعتها الأربع.

قبل أن تبدأ الحلقة، قابل المرشح المجهول رئيس الجمهورية، وعندما رآه اغرورقت عيناه من الدمع، وظل يقبل رأس الرئيس وخده الأيمن والأيسر، ويردد قائلا "كلنا فداك يا ريس" لا تصدق أنني منافس لك، إنهم يوقعون بيننا، وأشار إلى الإعلامي الشهير، لكن الإعلامي الشهير حاول أن يوضح موقفه قائلا "لقد اتصلوا بي من جهة أمنية، وأخبروني أن سيادتك تريد إجراء مناظرة رئاسية" لكن الرئيس اكتفى بهز رأسه راضيا، وهو ما جعل المرشح يفرح ويحصل على بعض الهدوء.
لم يتبق على اكتمال المسرحية الانتخابية سوى مشهد واحد، وهو المناظرة الصحفية، وها قد بدأت المناظرة:

السؤال الأول:
هل تشجع المواطنين على حب الديمقراطية؟
قال الرئيس: إنه يتمنى أن يحب الجميع الديمقراطية، وأن يطلقوا اسمها على أسماء أولادهم، وليكن لدينا شارع اسمه "شارع الديمقراطية"، وسوبر ماركت الديمقراطية، وحلواني الديمقراطية، ومخبز الديمقراطية، فليحدث كل هذا، أما عن تطبيقها في البلاد، فهذه مسألة أخرى.

تحطم زجاج الأستديو من فرط التصفيق، الجماهير تصفق كلما ضحك الرئيس، أو غضب، أو تفوه بكلمات غير مفهومة، حتى أن أحد الجماهير عرض يداه على الطبيب، فقال له إن الحل الوحيد بترها نظرا لأنها تورمت من فرط التطبيل أو التصفيق.

نظر الإعلامي إلى المرشح المجهول موجها له السؤال ذاته، لكن المرشح تعرق، وارتبك، ويبدو أن لسانه عجز عن الكلام، ما جعل مخرج البرنامج، وهو أمين شرطة سابق، يأمر بالخروج لفاصل إعلاني. بالمناسبة، كان الفاصل الإعلاني عبارة عن دعايا للسيد الرئيس وإعطائه تفويضا جديدا ضد الإرهاب، لمحاربة قوى الشر والظلام والنكسة والنكبة والربكة.

بعد انتهاء الإعلان، حان دور المرشح مجددا، وقال: أما أنا فدائما لا أؤمن بدولة يقودها رجل مدني، وأعلم جيدا أن مصر لا يمكن حكمها إلا برجل عسكري، حصل على رتبة الجنرال حتى لو لم يحارب، و.... قاطعه الإعلامي، وأخبره ألا يطيل حتى يعطي الفرصة لسيادة الرئيس، فهز المرشح رأسه موافقا.

السؤال الثاني كان حول سياسة المرشح أمام المظاهرات؟
قال الرئيس: لن أسمح بحدوث ذلك، "أنتم شكلكم متعرفونيش"، الدولة لا تحتمل مظاهرة، ولا تحتمل أن يتحدث مخلوق، وأنا أحذر.
قال المرشح: الرئيس لن يسمح.

السؤال الثالث: ما خطتك للنهوض بالبلاد؟
اللي هيقرب منها هنفسه، وهقول للمصريين ينزلوا يعملوا لي تفويض ثاني، بس كبير شوية.
قال المرشح: هذه الدولة لن تنهض إلا بالحكم العسكري بالنار والحديد، وأتمنى ألا يحبسوني بعد الفاصل.
بعد أن انتهت الحلقة، التف حول الرئيس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ليأخذوا معه صورة "سيلفي"، وفي الخلفية مشهد مليء بالنيران والدخان.

بدأت "المليطة" الانتخابية







كانت قوات الأمن تبحث جاهدة عن أحد الفدائيين، وأخيرا عثرت على أحدهم "م، م، م"، وقد قررت الصحافة أن تختصر اسمه بثلاثة أحرف، لأن الناس دائما ما يتناسون اسمه، ويخلطون بينه وبين الفنانة "سما المصري"، على كل حال إنه فدائي من الدرجة الأولى، حتى إنه قبل على نفسه أن يطلق عليه لقب "طرطور الرئيس"، كما أنه يستمع إلى الأوامر جيدا، وينفذها فورا، ولديه حاسة استشعار الأمر، فلو أن ضابط الأمن الوطني نظر إلى بنطلونه رافعا حاجبه مثلا، سيخلع "م، م، م" بنطلونه فورا، لأنه يستشعر الأمر الأمني بشكل أوتوماتيكي، كذلك الحال بالنسبة إلى باقي ملابسه، وأشياء أخرى.

قرر المرشح المجهول، أو قررت له قوات الأمن أن يترشح، وكان فخورا بذلك، معتبرا أنه بهذا يجاهد في سبيل الوطن، طالما أن جيبه يمتلئ بأموال الوطن. وفي يوم أقام له الأمن أول مؤتمر جماهيري، حضرته جماهير غفيرة من جحافل المخبرين، ومن فقراء حصلوا على وجبة غداء و100 جنيه. وقبل أن يبدأ المؤتمر، هتفت الجموع باسم رئيس البلاد، "عاش الزعيم، ومُتنا نحن"، ولم تهتف باسم المرشح "م م م" لأنها اعتادت على ذلك، لم يُدرك الجميع أن الهتاف كان في صالح المنافس، حتى أن المرشح "م" نفسه وجد نفسه مرفوعا على الأعناق وفي يده صورة الرئيس وظل يهتف باسم، وابتلت لحيته من فرط الدموع متأثرا بحبه لسيادته.

انتبه المرشح أخيرا إلى كونه مرشحا للرئاسة، ولا يجوز أن يهتف باسم المنافس، بعدما سأله أحد الصحافيين قائلا: "لماذا تهتف باسم الرئيس طالما أنك منافس له؟"، بُهت الذي ترشح بأمر الأمن، واحمرت وجنتاه، ولمعت صلعته خجلا من السؤال، ولكن خطرت على باله "تطبيلة" سريعة وقال: "إن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن روح التسامح موجودة بيني وبين سيادة الرئيس أطال الله عمره، لا مانع لدي أن ينجح، طالما أن نجاحه سيصب في مصلحة المواطن، وفي مصلحتي، وحتى لو كان لدي مانع، فلن أعترف".

انتبهت الجحافل المحتشدة في ساحة المؤتمر بعد هذا التصريح، إلى أن "م م م" يعد منافسا للسيد الرئيس، وأنهم ليسوا في مؤتمر لحملة "عايزينه للآخر" المطالبة ببقاء الرئيس لآخر يوم في عمر هذا الوطن. وبدأت الحشود تهتف باسم "م م م" لأول مرة في تاريخه، حتى أنه لم يستوعب الهتاف، وفرح كطفل في صباح يوم العيد، وسأل نفسه: "هل هؤلاء يهتفون باسمي حقا؟".

للحظة شعر بأنه بطل قومي، زعيم ثوري أو إصلاحي أو فضائي، وفجأة خرج عن النص قائلا: "سأجعل دخل الفرد لا يقل عن 20 ألف جنيه في الشهر، وإذا كرمنا الله سأجعلها 20 ألفا في الأسبوع، وربما في الساعة". الخروج عن النص في هذا الوطن شيء معتاد، الرئيس نفسه لا يكمل جملة مفيدة، تجده مثلا يقول: "نحن هذه البلد بلدنا جميعا إلا هم وطالما أنه لن نستطيع أن نأخذ فيها جميعا إلا بما يرضي الله، آه أنا بقول، آه أمال إيه، أمرتني أمي ألا أفتح الثلاجة حتى لا يطير الدخان". لا تتعجب أبدا لو سمعت مقولة كهذه، بل عليك أن تحمد الله على سماعها لأنها مفهومة إلى حد ما، بالمقارنة مع غيرها.

* سأل صحفي آخر: "هل هناك ضمانات للمنافسة الشريفة؟!
 لقد بدأت "المليطة" الانتخابية، والمنافسة ستكون حامية الوطيس، لا أحد يعلم من سيفوز؟ الجميع يترقب في حذر، والناس يتساءلون في المقاهي والشوارع والكنائس والجوامع؛ يا ترى من سيفوز في هذه الانتخابات؟ ولكني اكتشفت مؤخرا أنهم يتحدثون عن الانتخابات الأمريكية!

* سأله أحدهم: "ماذا تقصد بالمليطة الانتخابية؟"
لا أدري، ولكني رأيت أحد المثقفين وقد قالها في تصريح صحفي، فأعجبتني الكلمة.
* لماذا شاركت في الانتخابات؟
أرفض الإجابة، ومن تحدث فيما لا يعنيه، أخذ ما لا يرضيه!
* حدثنا عن برنامجك الرئاسي.
لم يعطون برنامجا حتى الآن.
* ومتى تحصل عليه؟
لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم.
* وجه رسالة للرئيس بصفته منافسا.
أتمنى أن يحصد على مجموع أصوات 100%، أما أنا فيكفيني ما حصلت عليه.

حاولت صحفية أجنبية أن تسأله عن تاريخه ومستقبله، ولكنه بعد أن رأى الجماهير العريضة تلتف حول مائدة مليئة بالطعام والشراب، ترك المنصة واتجه مهرولا نحو المائدة، لينافس الجماهير على لقب "بطل المؤتمر في أكل اللحمة"، وظل يهتف باسم رئيس البلاد، ثم يردد قائلا "نريده للآخر، نريده للآخر".


تفاءلوا بالخير كما شئتم.. لن تجدوه!


رويترز




"حتى الآن لم يتم إعلان أسماء المرشحين لمنصب الرئاسة، واكتفوا بإعلان اسم الفائز"
(جلال عامر)
 
كنت أشعر حينها بالتفاؤل إلى حد السذاجة عندما أعلن المحامي خالد علي ترشحه لانتخابات الرئاسة، اعتبرت أن حضوري في مؤتمر إعلانه الترشح للرئاسة واجب، من أجل الفقراء، والعمال، والفلاحين، والموظفين، ومصرية تيران وصنافير، وأحلام مترهلة لا تنتهي. كنت أتفق حينها مع من قالوا إن المشاركة في الانتخابات واجب من أجل ما يطلق عليه "تحريك المياه الراكدة".

أدركت مؤخرًا أنها ليست مياه، وليست راكدة، إنه وحل، طوله 7 آلاف سنة، مليء بـ"روث الحكام"، وفي أسفله يجلس ملايين البشر، يشاهدون التلفاز، ويتحدثون عن التقدم الهائل في كرة القدم، وأحدهم يقول "الحمد لله، إنه فخر العرب وأفريقيا"، وآخر يرد "انظر كيف يجري في الملعب؟ ثم تسقط على رأسه "قطعة روث" من حاكم عربي، فيزيحها، ويكمل حديثه عن إنجازاتنا في كرة القدم.. "بسم الله ما شاء الله، أنظر كيف استلم الكرة على صدره، وكيف ابتلعها بمؤخرته؟!".

مما لا شك فيه.. أننا في عام 2018، وما زال هناك من يكتب مقولة "مما لا شك فيه" مع أن كل آرائنا تحتمل الشك، إن دل على هذا على شيء فإنما يدل على أننا لم نتقدم خطوة واحدة، وبما أننا لم نتقدم، فدعوني أكتبها مرة واحدة في حياتي، وأقسم لكم أنها المرة الأولى والأخيرة التي أستعين بهذه المقولة "المتفزلكة" التي تشعرني الآن أنني كاتب في جريدة ورقية حكومية ويجب أن أكتب المقال "اسطمبة" واحدة، وكأنني أصنع قميصًا ولا يمكنني تجاوز قصة "الجيرو" مثلًا، لأنها من ضروريات صناعة القميص؛ ومن ضروريات الكتابة في جريدة حكومية أن نستعين بهذه المقولة الواثقة.

"مما لا شك فيه" أن خالد علي شفّاف؛ لا يراه هؤلاء الذي يجلسون في المنازل ليستمعوا إلى عويل أحمد موسى، وشخير عزمي مجاهد، وصراخ عمرو أديب، وتطبيل معتز عبفتاح؛ لا يراه إلا أنا وبعض الأصدقاء، وبعض متابعي القنوات العالمية، ورواد السوشيال ميديا.

إنه شفاف، لا تراه كل الجرائد الخاصة والقومية، ففي هذا اليوم نشرت الجرائد المصرية بإجماع صور عبد الفتاح السيسي على صدر صفحاتها الرئيسية، وما زال المفتش كرومبو يبحث عن صورة واحدة للمرشح المحتمل، خالد علي، ولكن كرومبو لم يحصل عليه في الجرائد، ولن يحصل عليه، لأنه شفاف! مبنى ماسبيرو بأكمله، بما فيه من قنوات مرئية ومسموعة ومحسوسة، دينية وثقافية ورياضية وجنسية، لم ينطق اسم خالد علي حتى الآن، ولن ينطقه ما حيينا، لأن خالد علي شفاف! ليس معنى وصفي لـخالد علي بأنه شفاف أني أحاول إهانته، وهو نفسه يدرك جيدا كم أحترمه، ولكنه وصف للواقع، هناك ملايين لا يعلمون أن هناك مرشحًا اسمه خالد علي ترشح للانتخابات، بل هناك ملايين يؤمنون بأنه من رابع المستحيلات أن يشهدوا طوال حياتهم رئيسا غير عبد الفتاح السيسي.

وفي البرلمان، الذي لا أحب أن أُطلق عليه اسم "مجلس الشعب" لأني لست من هواة الكذب، تجمع النواب في "بهو الشورى" بمقر البرلمان، حيث كانت القاعة مجهزة بطاولات، على كل طاولة يجلس موظف باستمارات مجهزة بالنموذج الذي أعدته الهيئة الوطنية للانتخابات، وبدأ السادة أعضاء السيد الرئيس، عفوًا، أعضاء النواب، بملء استمارات التزكية للترشح للانتخابات الرئاسية، وكانت كلها تصب في مصلحة مرشح واحد، عبد الفتاح السيسي. لم ترصد جريدة أو موقع إلكتروني أو مطعم كبدة جملي أن هناك عضوا من أعضاء السيد الرئيس قرر دعم خالد علي. هل يعني هذا شيئا سوى أنه شفاف؟!

رغم أني أعمل بمجال الصحافة، وأؤمن بأنه لا يجب على الصحفي أن يعلن عن رأيه في مثل هذه الانتخابات، إلا أنني كنت أتمنى دعم خالد علي بكل ما أوتيت من قوة، لأني شفاف مثله، ولأن كل من يحلم في هذا الوطن بوطن، وكل من يطالب بالحقوق، وكل من يطالب بالحياة، شفاف.

لا أريد أن أكسر من آمال أحد هؤلاء الذين انضموا إلى حملة خالد علي، وأعلم جيدًا أنهم يريدون تحريك المياه الراكدة، هذا لو استطاعوا العثور على المياه أصلًا، والحقيقة أنني أتعجب من هؤلاء الذين التفوا حول خالد ليدعموه، وأتساءل عن مصدر أملهم وتفاؤلهم، وأحسدهم أحيانًا عندما يقولون إنهم خرجوا من مبنى الشهر العقاري وحصلوا والحمد لله على توكيلات للمرشح الرئاسي خالد علي. أقسم لكم أنني لم يعد لدي أمل في القدرة على الجلوس في مقهى شعبي من دون شعوري بأن القهوجي مخبر، فكيف جئتم بهذا الأمل والتفاؤل، وكيف استطعتم إقناع أنفسكم بأنكم تحركون المياه الراكدة؟ّ!

أرفع لكم قبعتي احتراما، ونصيحتي لكم أن تستمروا في الحلم والأمل وفي أشياء أخرى، واجمعوا 25 ألف توكيل من 15 محافظة في 9 أيام، واكتبوا على وسائل التواصل الاجتماعي كثيرا عن خطتكم لحكم البلاد وعن برنامج خالد علي الاقتصادي. افعلوا كل ما يحلو لكم، وتفاءلوا بالخير كما شئتم.. ولكنكم لن تجدوه.
محبتي..