‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثورة 25 يناير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثورة 25 يناير. إظهار كافة الرسائل

إنهم يسرقون حياته

Ap
مدونات الجزيرة

كنت سابقًا ممن يؤمنون بأن السجن لا يقدر على حبس أفكارك، وأدركت لاحقًا أن السجن قادر على فعل ذلك، وقادر على حبس روحك وفكرتك وصوتك حتى ينساك الناس. السجن كما قال الماغوط "أن تكون غير مطمئن.. حتى إلى أحلامك". وهذا ما حدث مع علاء عبد الفتاح، السجين الشهير المنسي الذي اعتاد الناس على سجنه.

لا أتذكر كم مرة أردت الكتابة عن علاء، ولكني أعلم أنني حاولت كثيرًا فلم أستطع. الكتابة عن علاء مُرعبة، وثقيلة جدًّا، وتجعلني أختنق، إنهم يسرقون حياته أمام أعيننا. ثم إن الكتابة عن السجناء بشكل عام قد تقودك إلى عزلة لا يعلم نهايتها إلا الله. يقولون إن في السجن نحو 60 ألف سجين، وإذا كتبت قصة كل واحد فيهم سأحتاج إلى 60 ألف مقال، و60 ألف حياة، فبعد كل كلمة أكتبها عن سجين أشعر بأن الحياة توقفت وأحتاج إلى أخرى، ولكني سألت نفسي سؤالًا: "إذا شعرنا بالموت لأننا نكتب عن السجناء فقط، فما بال السجناء أنفسهم؟".

هل أكتب عن علاء الذي منعوه من قراءة الكتب داخل محبسه أو من الاطلاع على مجلات ميكي ماوس؟ إلى أن تقلصت أحلام أسرته من الإفراج عنه إلى محاولات بائسة لإدخال الكتب إليه، فرفعت أسرته دعوى ضد رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس مصلحة السجون يطالبون فيها بإدخال الكتب إلى سجين في حبس انفرادي.. وعندما تتساءل ما الخطر الذي قد تسببه الكتب أو مجلات ميكي ماوس قد يبدو السؤال ساذجًا، لأنه لا معنى لذلك سوى أن الدولة لا تحب علاء، ولا تحب أن تجعل أيامه خلف الجدران تمر سريعًا.

الكتابة عن علاء مؤلمة، لأنك ستضطر إلى الكتابة عن بدايته، ليست بداية السجن، ولا بداية عودته إلى مصر، ولا بداية الثورة، لكنها بداية مولده.. وُلد علاء فوجد أباه "أحمد سيف الإسلام حمد" في السجن! وفي هذا قال سيف: "أنا آسف إني ورثتك الزنازين ولم أنجح في توريثك مجتمعًا يحافظ على كرامة الإنسان، وأتمنى أن تورث حفيدي خالد مجتمعًا أفضل مما ورثتك إياه". ولكن خالد ابن علاء حتى كتابة هذه الكلمات لم يرث المجتمع الديمقراطي الذي تمناه جده له، فخالد أيضًا ولد ليجد والده في السجن!

أما سيف الغلابة أحمد سيف الإسلام فقد توفي وترك علاء سجينًا، وكانت شقيقته سناء سجينة هي الأخرى لأنها طالبت بالإفراج عن علاء ورفاقه في قضية مجلس الشورى، خرج رفاق علاء في القضية بعفو رئاسي، عدا هو وطارق موكا، وقد قال سيف سابقًا إنه "لن يطلب عفوا رئاسيا من أحد لنجله، ولكنه يريد فقط المحاكمة العادلة". وهذا ما طلبه علاء نفسه أثناء محاكمته "المحاكمة العادلة" فاتهموه بإهانة القضاء! ودائمًا ما يؤخذ كل كلام علاء ومواقفه إلى المحكمة، في أحداث ماسبيرو حاكموه عسكريًا واتهموه بسرقة دبابة، لموقفه حينها من مساندة الأقباط.

سُجن علاء، كم مرة؟! لا أدري، ولكنه سجّل رقمًا قياسيًّا في عدد مرات الاعتقال. سُجن في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ثم في عهد المجلس العسكري، وبعدها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، والرئيس السابق المؤقت عدلي منصور، وأخيرًا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وفي 19 (أكتوبر/تشرين الأول) الجاري تنظر محكمة النقض الحكم الصادر ضد علاء في قضية مجلس الشورى بالحبس 5 سنوات والمراقبة 5 سنوات، بعدما أمضى في السجن 3 سنوات ونصف، وفي انتظاره حكم في قضية أخرى تم تأجيلها 3 أشهر من دون داع وهي قضية "إهانة القضاء".

قبل أن يُسجن علاء قال: "موتوا من الرعب على الناس اللي في السجون واتكلموا عنهم خلونا نطلعهم، لأن السجن والتعذيب مش رومانسية".


هُنا القاهرة: يسألونك عن صوت الجماهير.. قُل "في السجون"

مصدر الصورة: Ultras Ahlawy - UA07

مدد

في كل مكان في العالم، لا يتوقف الأولتراس عن الغناء أو التشجيع، وهذه إحدى مبادئ جماهير الأولتراس.. فلا يجلس أفراد الأولتراس طوال فترة المباراة ويستمرون في الغناء بصوت يشبه أصوات الجنود في الحروب.. أبت الدولة أن يستمر الغناء والتشجيع، وأجبرتهم مؤخرًا على الجلوس في أثناء المباراة، ولكنه جلوس على بُرش الزنازين.
ظهرت روابط الأولتراس في مصر بالتوازي مع احتفال النادي الأهلي المصري بمئويته الأولى، في مباراة ودية جمعت بين النادي الأهلي ونادي برشلونة الأسباني عام 2007 باستاد القاهرة الدولي، وإذا تتبعنا تاريخ الألتراس منذ ظهوره، نجد أنه لم ينخرط في النشاط السياسي إلا بمشاركته في ثورة 25 يناير وما بعدها من مظاهرات ضد حكم المجلس العسكري.
وتكونت في مصر عدة رابطات للألتراس أشهرها رابطة ألتراس أهلاوي، ورابطة ألتراس زملكاوي.


متى بدأت المعركة بين الأمن والألتراس؟

مصدر الصورة: Ultras Ahlawy - UA07

رغم أن روابط الألتراس لم تكن لها علاقة بالعمل السياسي منذ نشأتها، إلا أن العلاقة بين قوات الأمن "الشرطة" وروابط الألتراس، لم تكن يومًا على ما يرام، فدائمًا يعتبر شباب الأولتراس أن وزارة الداخلية يقودها مجموعة من الملفقين والجهلة، وهذا ظاهر في أغانيهم، ووزارة الداخلية تعتبر أن شباب الألتراس خونة ومأجورين ولهم علاقات سرية بجماعة الإخوان المسلمين.
وقد ظل العداء بين الألتراس والأمن هو السائد، لا سيما أن قوات الأمن دائمًا تتعامل بعنف شديد مع روابط الأولتراس.، وكانت أول مواجهة حقيقية بين قوات الأمن وشباب الألتراس في عام 2010، في مباراة الأهلي وكفر الشيخ  بملعب مختار التتش، فجأة و بدون مقدمات اشتعلت مدرجات الأهلي احتفالًا بهدف محمد أبو تريكة المبكر فى الدقيقة الثالثة من عمر المباراة، وقامت جماهير الأهلى بإشعال الشماريخ بكثافة وألقت بها داخل ملعب المباراة، ليتدخل رجال الأمن لمنع هذه الشماريخ، ويشتبك الطرفان وهو ما أسفر فى النهاية عن وقوع العديد من الإصابات من الجانبين، والقبض على 7 شباب من أولتراس أهلاوي، وكادت الأمور أن تزداد سوءً، لولا تدخل حسام البدرى، المدير الفنى للأهلى، ومحمد أبو تريكة ووائل جمعة.
ودخل أولتراس زملكاوي على خط المواجهة مع الأمن في مطلع يناير 2011، في مئوية نادي الزمالك، حيث تعرض عدد كبير من  جماهير الزمالك لإصابات إثر اشتباكات دارت بينهم وبين رجال الأمن أمام  بوابات نادي الزمالك، وذلك بعد أن رفضت جماهير الزمالك الرحيل عن النادى وأصرت على تنفيذ مطلبها بالدخول لملعب حلمي زمورا، والاحتفال مع لاعبى الفريق بمئوية النادي، وهو ما قابله مدير عام النادى علاء مقلد بالرفض، واستدعى الأمن لتفريق الجماهير المحتشدة.
ولم ينس الألتراس ما حدث، كما لم تنس قوات الأمن أيضًا.

التهمة "ثورة يناير"

مصدر الصورة: Ultras Ahlawy - UA07

شارك الألتراس في ثورة يناير عام 2011،وكان له دور مؤثر في جمعة الغضب 28 يناير، وانحاز الألتراس بشكل واضح وصريح لثورة يناير، لا سيما أن المعركة الأولى في ثورة يناير كانت بين الشعب وقوات الأمن الذين يلاحقون الألتراس في المدرجات ويضيقون عليهم الخناق.

مجازر لم تنته بعد

مصدر الصورة: Ultras Ahlawy - UA07

كما لم ينس الألتراس ما جرى لهم من تضييق أمني، يبدو أن رجال النظام السابق لم ينسوا دور الألتراس في ثورة يناير، مما جعل مجازر الألتراس تتوالى، ورغم أن الألتراس ظل صامدًا أطول فترة ممكنة، إلا أن هذا الصمود، وفي سبتمبر 2011 دارت اشتباكات دامية بين الأمن والألتراس في مباراة الأهلي وكيما أسوان، وأحرق حينها 18 سيارة شرطة، ويبدو أن الرد كان سريعًا، ففي مطلع فبراير 2012، وقعت أكبر كارثة في تاريخ كرة القدم، حيث سقط من شباب الألتراس 74 شهيدًا في بورسعيد عقب مباراة الأهلي والمصري، والتي لم يحضرها محافظ بورسعيد أحمد عبد الله، علي غير العادة في مباريات الأهلي المقامة في بورسعيد بين الأهلي والمصري.

مصدر الصورة: Ultras White Knights UWK

لم تنته معارك الألتراس بعد ولم يستسلم، حيث بدأت معارك المطالبة بالقصاص للشهداء، ولكن الذي حدث أن قوات الأمن قررت أن ترتكب جريمة أخرى، بقتل 20 شهيدًا من ألتراس زملكاوي، ففي أحداث دامية مساء 9 فبراير 2015، أمام بوابات استاد الدفاع الجوي لقي 20 مشجعًا من ألتراس زملكاوي حتفهم في اشتباكات عنيفة ودموية بين جمهور الزمالك وقوات الأمن التي تؤمن مباراة الزمالك وإنبي في الدوري العام، حيث أعلنت وزارة الصحة في بيانها الرسمي عن الأحداث  سقوط 20 شهيدا والعديد من الإصابات بين جمهور الفريق الأبيض.

شيطنة الألتراس

Ultras White Knights UWK

لم تتوقف وسائل الإعلام المحسوبة على الحكومة عن شيطنة جماهير الألتراس، واتهامهم بحصولهم على تمويلات من جماعة الإخوان المسلمين، حتى أن جريدة اليوم السابع نشرت ما أسمته تقريرًا عن "أسرار علاقة روابط الألتراس بجمال مبارك وحازم صلاح أبو إسماعيل والشاطر". كما أن هناك عدة إعلاميين عرفوا بمعاداتهم للألتراس مثل "توفيق عكاشة، أحمد شوبير، أحمد موسى، مدحت شلبي" وغيرهم من الإعلاميين الذي شاركوا في شيطنة الألتراس مجاملة للدولة.

 أصوات المشجعين خلف القضبان

بعد ال30 من يونيو، لم تتوقف الدولة عن مطاردة الألتراس، و تكاتفت الأجهزة الأمنية من أجل القضاء على روابط الأولتراس في مصر، مما جعل هزائم روابط الأولتراس تتوالى واحدة بعد الأخرى، لعل آخر هذه الهزائم هي أحكام بالمؤبد 10 سنوات لـ 3 متهمين و7 سنوات لسيد مشاغب و3 سنوات لـ 3 متهمين من ألتراس الزمالك في أحداث  ستاد الدفاع الجوي، حيث قضت الدائرة 9 بمحكمة جنايات شمال القاهرة، برئاسة المستشار صلاح محجوب، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة، الأحد 24 سبتمبر، بالسجن المؤبد لمتهمين اثنين، والمشدد 10 سنوات لثلاثة متهمين، والمشدد 7 سنوات لسيد مشاغب و4 آخرين، والسجن 3 سنوات لثلاثة متهمين ، وبراءة متهمين اثنين، و الحبس سنتين لمتهم، فى اتهامهم فى أحداث استاد الدفاع الجوى، والتى وقعت قبل مباراة كرة القدم، بين ناديى الزمالك وإنبى بـ "ستاد الدفاع الجوي"، نتيجة منع قوات الأمن لمشجعين من الدخول وإطلاق قنابل الغاز عليهم وسط ترديدهم الصراخ الشهير "افتح بنموت" وقد أسفرت عن مقتل 20 مشجعًا من نادى الزمالك قالت الشرطة وتحقيقات النيابة أنهم ماتوا نتيجة التزاحم.
وسيد مشاغب هو قائد ألتراس الزمالك «وايت نايتس» وشارك في تأسيس ألتراس "وايت نايتس" في عام 2007. واتُهم مؤخرا بالاعتداء على رئيس نادي الزمالك، مرتضى منصور، بإلقاء أكياسا من "البول والبراز" عليه أثناء وجوده بالشارع، إلا أن المحكمة برأته من الاتهام، وبعدها تم استئناف الحكم، وأيدت محكمة جنح العجوزة حكم البراءة في 27 نوفمبر من العام الماضي، واتهم مشاغب في قضية الدفاع الجوي وتم حبسه منذ منتصف مارس الماضي، حتى صدر عليه الحكم بالسجن 7 سنوات صباح اليوم.
سبق هذا الحكم القضائي، إلقاء قوات الأمن بالإسكندرية القبض على 150 مشجعًا أهلاويًا  من ستاد برج العرب خلال مباراة الأهلي والترجي التونسي، ضمن مباريات نصف نهائى دورى رابطة الأبطال الإفريقية، 17 سبتمبر 2017، بزعم حيازتهم تذاكر مزورة وارتداء تيشرتات تحمل رقم "74" في إشارة إلى عدد ضحايا مجزرة بورسعيد، وأطلقت  قوات الأمن سراح 120 مشجع آخر، بعد التأكد من هويتهم وعدم ارتكابهم مخالفات، واحتجزت 30 آخرين.
وفي 8 يوليو، ألقت قوات الأمن القبض على  90 مشجعًا أهلاويًا، لإرتدائهم تيشيرتات تحمل رقم «74»، إلى جانب إطلاق شماريخ.
وفي 16 سبتمبر الجاري،  نشر نشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي أخبار تفيد بالقبض على 500 مشجعًا زملكاويًا بزعم محاولتهم دخول ملعب المباراة دون تذاكر. وقال اللواء شريف عبدالحميد، مدير إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن الإسكندرية - قال - "إنه تم منع 4 أتوبيسات بها بعض جماهير الزمالك على الطريق الصحراوي، من الدخول إلى الطريق المؤدي إلى ستاد برج العرب بدعوى عدم حملهم تذاكر حضور المباراة".

ولم يسلم أهالي مشجعي كرة القدم من الاعتقال، حيث ألقت قوات اﻷمن القبض على 10 من عائلات مشجعي الزمالك المحبوسين، أثناء وجودهم أمام مقر مديرية اﻷمن بالإسكندرية ومحاولة معرفة مصير أبنائهم، وما زال الأهالي قيد الحبس الاحتياطي حتى الآن.
كما تلقى الألتراس ضربة قاسية من القضاء المصري في 28 فبراير 2017، بأحكام مشددة 15 سنة لخمسة متهمين بالتجمهر من "ألتراس أهلاوي"، وعاقبت محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار محمد ناجي شحاتة، المنعقدة بأكاديمية الشرطة، اليوم الثلاثاء، 5 من أفراد "ألتراس أهلاوي" بالتجمهر ، بالسجن المشدد لمدة 15 سنة . وقضت في هذا السياق ، بمعاقبة متهم آخر  بالسجن لمدة 5 سنوات. وكانت النيابة قد وجهت إلى المتهمين في القضية رقم 15567 لسنة 2014 وسط قصر النيل، اتهامات بالتجمهر واستعمال القوة والعنف والسرقة بالإكراه، وإتلاف ممتلكات عامة وخاصة، وحيازة الأسلحة والذخيرة بدون ترخيص.

متى تسمح الدولة بعودة الألتراس من السجون إلى المدرجات؟

الإجابة على هذا التساؤل قد تبدو شبه مستحيلة، لا سيما أن خالد عبد العزيز وزير الشباب والرياضة المصري صرح أن  "قرار عودة الجماهير إلى ملاعب المباريات المصرية لن يصدر عن وزارته أو وزارة الداخلية" وأن القرار في يد مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية. إلا أن عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، تحدث عن ملف عودة الجماهير إلى المدرجات في الملاعب المصرية. وقال  "ناقشنا الأمر في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ، وأكدت أنني لن أتخذ قرارًا، إلا إذا كانت الأجهزة الأمنية ووزارة الشباب والرياضة، لديها اطمئنان من عدم حدوث أمر يؤلمنا جميعا لا قدر الله".

عن "هشام رزق" والأكلة الاشتراكية






لا أذكر التواريخ، ولكني أذكر التفاصيل كلها؛ كنا حينها معًا في جنازة أحد رفاقنا "أحمد المصري" الذي قُتل برصاص الداخلية، كانت دموعي حينها لا تتوقف على فراق "المصري".

شريطٌ يمر أمام عيني ولا أسمع من الأصوات شيئًا، ولا أرى إلا ضبابًا، ثم أفيق على صوت أحد رفاقنا الذي يصرخ، ويسب الداخلية، انتهينا من دفن "المصري"، ولكننا لم ندفن معه أي من ذكرياتنا.

جائني هشام، وضع يده على كتفي، وقال:
- لا أحب أن أراك حزينًا، فأنت دائمًا تضحك، والجميع يحبون ضحكتك.

كان يطالبني بأن أضحك، مع أني أذكر أني رأيته يبكي.

بعد انتهاء الجنازة، وصلنا إلى منزل "المصري"، كي نجهز سرادق العزاء، هشام جلس على الأرض، بدا على وجهه التعب والإرهاق.

- هشام، هل أنت جائع؟

= جائع، ولكن لا يهم، هناك الكثير جائعون ولا يهتم لأمرهم أحد.

- إذًا، فلنكن من القلة التي تشعر بالشبع، هيا نبحث عن شئ نأكله.

هشام كان يحب الفقراء، ويحب أن يعيش حياتهم، ويكره الأغنياء ويكره حياتهم ويصفها بالحياة البلهاء.

- سنأكل كشري، فهو أرخص طعام يمكن شرائه في منطقة بولاق الدكرور. هكذا قلت.

= وسنشتري رغيفي خبر، هكذا قال.

اشترينا علبة واحدة، ولا أذكر من فينا الذي كان مفلسًا لدرجة أننا اشترينا علبة واحدة، لكني أذكر أن أحدنا كان معه من المال ما يكفي المواصلات فقط.

***
كان "المصري" يحب أن يمشي في شارع محمد محمود، وأنا أيضًا، وهشام كذلك، بالإضافة إلى أن هشام كان يحب أن يرسم في الشارع ذاته، كان رسامًا بارعًا؛ كنت أسأله كيف يمكن أن يرسم ملامح الخلق بتلك البساطة؟

- كل ما عليك فعله يا صديقي أن ترسم ما بداخل الناس، فلتنظر إلى أكثر شيء جذبك في الشخص حتى لو كان شئيًا سيء، واجعله يسيطر على عقلك جيدًا، ستجد نفسك رسمته ببراعة، الجميل يصير جميلا، والقبيح قبيح، والطيب طيب.

***
اتفقنا على أن نرسم "المصري" في شارع محمد محمود، في مكان كنا نجلس فيه كثيرًا، فكنا نجلس على الرصيف في شارع محمد محمود، نغني حتى الفجر، كنا نحمل حنينًا لهذا الشارع بشكل لا يوصف.. فهنا سالت دماء، وهنا اكتشفنا أن هناك شيئًا ما يدبّر للثورة، فنوينا أن نكملها، كنا نصطف كتفًا بكتف، ويحدث كرٌ وفر، نتعب في الصباح ويقل العدد، فتأتي طلبة المدارس بأعداد كثيفة بعد أن ينتهي يومهم الدراسي، ويهتفون بصوت عالٍ، فتدب الروح في الشارع من جديد، فيزداد الثائرون غضبًا ويزداد الغاز والرصاص والخرطوش، ولكن الإصرار دائمًا ينتصر.

يسقط أحدهم، فيقولون مات، وينفي أحدهم ويقول أنه أصيب،، موتوسيكلات، وسّع طريق، إسعاف، حااااسب، عيون أحمد حرارة، هُدنة، هتافات، هتافات، هتافات.

كل هذا كان شريطا يمر أمام أعيننا عندما نمرّ من شارع محمد محمود.

كنت منهكًا جدًا، واتصلت بهشام حتى نبدأ ما اتفقنا عليه ونرسم جرافيتي لـ "المصري"، فلم يرد، وأغلق هاتفه.. تعصبت، وقلت أن هذا "شغل عيال" !

اتصل هشام مساءً، فوبخته في أول المكالمة، فسألني: خلّصت؟

-انجز، هنرسم المصري امتي؟

= ابقى عدّي من الشارع وقول لي رأيك، أنا مردتش عليك عشان عارف إنك تعبان.

كان هشام يعلم أن موت "المصري" قد أثر في كل شئ في حياتي، وجعلني كئيبًا، منهكًا، فأراد أن يفاجئني برسمة "المصري" دون أن يتعبني. فرحت حينها جدًا، وأحببت هشام أكثر.

***
الأكلة الاشتراكية.
كنا نجتمع بشكل مستمر، هشام، ومصري، رحمهما الله، وزيزو عبده (فك الله أسره) وممدوح جمال الذي سُجن فترة طويلة وأقرب الناس لـ "هشام" ولقلوب كثير من الرفاق، وعُلا، التي تعتبر أن النادي الأهلي لا بد أن نحارب من أجله إن استدعى الأمر ذلك.

عندما نجتمع معًا، لا بد أن نأكل "الأكلة الاشتراكية".. هكذا أطلق عليها زيزو، وأكد عليها هشام، ودائمًا يقترحها ممدوح.

كل ما عليك فعله أن تدفع 2 جنيه، وستأكل طعامًا يكفيك أسبوعًا، بطاطس وطعمية وفول بالزيت الحار وفلفل وكل حاجة تتخيلها من الحاجات المضرة للمعدة؛ هكذا كان يقول هشام لأحدهم، ليصف له معنى "الأكلة الاشتراكية".

***
لا أدري إن كان هذا وداعًا أم أنها مجرد صدفة.. كنت أرتدي رداءً أبيض، وأجلس منتظرًا من سيأتي في زيارة اليوم؛ كان هذا في سجن أبو زعبل عندما كنت محبوسًا على ذمة الحبس الاحتياطي، لا أذكر التاريخ، لكني أذكر أن هشام كان أول من استطاع الدخول لساحة الزيارة، حتى أنه دخل قبل شقيقي محمد؛ كان يجري مبتهجًا كطفل يحتفي بقدوم العيد.

جلس أمامي على الأرض، وكان ينظر لي، فقط ينظر ويبتسم، لا مجرد صدفة.

كان هشام قد جاءني في زيارة قبلها، لكني لا أذكر منها شيئًا سوى أنه زارني، أما الزيارة الأخيرة، فأكاد أحفظها كما أحفظ اسمي.

- هتخرج وناكل أكلة اشتراكية يا زيادة.. هجيلك زيارة تاني على فكرة. هكذا قال.

ولكننا لم نأكل أكل اشتراكي مرة أخرى، ولم يأت في زيارة كما وعدني.

ليتني كنت أعلم أنني لن أراه مرة أخرى، لا أدري ماذا كنت سأفعل، ولكني أعتقد أن هناك شيئًا ما كان سيبقى مختلفًا.

***
جلست في الزنزانة مع رفيقي الذي تعرفت عليه في السجن أحمد مصطفى، أخبرني أن أحد المساجين قد استطاع أن يهرب هاتف يدعم الإنترنت، وسألني إن كنت أريد تصفح الإنترنت 10 دقائق، قبل أن تكتشف المباحث وجود هاتف، وبالفعل اكتشفوا فيما بعد، فوافقت طبعًًا، عام ونصف لا أعلم ماذا يعني الإنترنت، ليتني ما وافقت!

أول ما رأيته عندما فتحت حسابي على موقع facebook كانت مشاركة لزميلتي ندى الحريري، تعلن أن هشام رزق قد مات بعد أن كان مختفيًا.. وكأن الأقدار شاءت أن أعلم بموت هشام في نفس اللحظة التي علم فيها الجميع.

لم أكن أعلم أن هشام كان مختفيًا، كيف لم أعلم، أخي لم يخبرني، وكان يحاول ألا يجعلني أعلم شيئًا عن موت هشام.. ولكنني علمت بموته، لم أحضر جنازته، ولم أكن من المشاركين في البحث عنه.

تركت الهاتف وتركت دموعي تغرق النمرة "الغطاء"، فتفأجأ مصطفى، فهو كان ينتظر أن أصف له فرحتي بالهاتف، فقلت بصوت ممزوج بحشرجة: هشام مات!

***
بعد أن خرجت من السجن فتحت صفحته، راجعت كل رسائلنا، راجعت صفحته فشعرت أنه كان يعلم بأنه سيفارقنا..

«سأبقى أرسم وإن انتهت ألوانى سأرسم بدمي.. لي الفخر أني أنتمي لتلك الطبقه الكادحة في مجتمعنا المصرى.. لا أخجل من كوني أعيش في مكان فقير أو من كونى فقير ماديا، ولكني معنويا من أغنى الأغنياء، لأني أمتلك الحب لذلك الوطن، لا يهمني قشورى الشكلية بل أحاول أن أسمو بذاتى إلى الكمال الإنساني.. "لعلني أكون ذلك الرجل المنتظر".

"سأظل طويل الشعر، مهلهل الملابس، مقطع الحذاء، حتي ينفض من يهتم بمظهري من حولي، ويتجمع حولي من يبحث في جوهري ليبتعد عني من يهتم بالمظاهر والقشور ويقترب منى من ارتقى إلى جوهري، إني لا أفكر في خلودي، ولكن أفكر في خلود الثورة وأهدافها.. ثورة 25 يناير".

"لا تحزنوا يا رفاق.. إن كنت من الشهداء، فإني اُصطفيت لأكون من أهل الجنة.. عنواني حب بلادي وحب شهيد روى السنابل بدمه".

رحم الله هشام، ورحمنا.


في ذكرى الثورة

الاسكندرية ٢٨ يناير ٢٠١١ تصوير: أحمد رمضان

لسماع المقال اضغط هنا


"من يوميات السجن"
في ذكرى الثورة؛ أضغط على زر تشغيل الراديو "المصدر الوحيد في السجن لمعرفة الأخبار الكاذبة" والذي كاد أن ينفجر من فرط الكذب والنفاق.
كل محطات الراديو لا تبث سوى القرآن الكريم، والأغاني الدينية؛ في البداية ظننت أن ذلك حزنًا واحترامًا لأرواح آلاف الشهداء الذين سقطوا في ثورة 25 يناير وما بعدها من أحداث؛ ولكنني تعجبت من عدم بث أغنية واحدة احتفالًا بذكرى الثورة.
أستمع إلى الأخبار الخالية من "الموسيقى" على غير العادة، وأعلم أن مصر أعلنت الحداد 7 أيام بعد رحيل الملك عبد الله "ملك السعودية" وأن الحكومة أعلنت إلغاء الاحتفال بعيد الثورة "لا أعلم أي احتفالات".. ومن كان سيحتفل سوى الفلول، وأتباع السيسي"، فيا للعجب من كانوا سيحتفلون بالثورة هم من شوهوها، وهم من رقصوا على دماء الشهداء، وهللوا لبراءة مبارك، بإلاضافة إلى بعض الإعلاميين المخبرين.

إذًا الدولة حزينة من أجل رحيل الملك عبد الله "رحيل مصدر أساسي لتمويل القمع" ولم تحزن لقتل الآلاف من الشهداء، فكيف تحزن وهي من قتلتهم؟!

في نشرة إخبارية أخرى تبدأ كل عناوينها بـ "ذهب السيسي، وجاء السيسي، وجهود السيسي، وتسلم إيدك يا سيسي" يوجد خبر مختصر للغاية، ربما لأقلية أهميته بالنسبة لأتباع النظام، الخبر عن قتل مجهولين للناشطة شيماء الصباغ أثناء فض قوات الأمن مظاهرة مكونة من 30 شخصًا بعد ممارستهم الشغب، وإطلاقهم الشماريخ، واعتدائهم على قوات الأمن. أقسم لك أيها التاريخ الذي يسجل ما أكتبه الآن، المذيع قد قال أن الأمن فضّ المظاهرة ولكن القاتل مجهول، وسأفاجئك بأن أحد المحللين قال أن الإخوان هم من قتلوها. لا تتعجب أيها التاريخ فالإخوان علموا أن هناك مظاهرة ما لحزب ما في مكان كذا، وعلموا اللحظة التي سيضرب الأمن فيها الغاز، فقتلوها في نفس اللحظة حتى يتهمون الداخلية بقتلها، وعلى الجميع أن يعلموا أن الداخلية معندهاش خرطوش أصلًا !

في مجتمعنا المصري لا يجوز الاعتداء على إمرأة أبدًا، وإذا اعتدى أحدهم على امرأة تصدّى له الرجال، أما تحت الحكم العسكري تُقتل شيماء الصباغ فيصرح الوزير بأن مفيش خرطوش، وتُقتل سندس ذات السبعة عشرة عامًا فتتجاهلها وسائل الإعلام لأنها إخوان، وتُقتل أسماء البلتاجي فيقول الإعلام أن الإخوان يقتلون أنفسهم. وتُقتل هالة شعيشع فيبرر الإعلام طريقة قتلها ويبرئ الأمن ويدّعي أن الأهالي هم من قتلوها لأنها تنتمي لجماعة محظورة إرهابية.

وقبلهن جميعًا لا يمكننا أن ننسى واقعتي "كشف العذرية، وتعرية ست البنات" اللتان أظهرتا الوجه القبيح للحكم العسكري. كما أن هناك 14 فتاة في قضيتي متهمات بحرق كلية تجارة جامعة الأزهر بنين التي لا تدخلها الفتيات أصلًا، ناهيك عن كم الانتهاكات التي تحدث للفتيات داخل الأقسام، والتحرش العلني بهن.

***
سمعنا أخبارًا تقول أن النظام الحالي ينوي الإفراج عن عدد كبير من شباب الثورة احتفالًا بذكرى الثورة. و بالفعل تم إخلاء سبيل علاء وجمال مبارك ومبارك نفسه، على اعتبار أنهم أبرز قادة الثورة. يا رفاق عندما يصير مبارك وولديه ونظامه أحرارًا فلابد أن يكون كل من شارك في 25 يناير في السجون أو في القبور، أو هاربًا خارج البلاد !

احتفلت الدولة بنجاح الثورة (المضادة) من خلال قتل 24 في الذكرى الرابعة للثورة، فصرنا في كل ذكرى للشهداء نفقد شهداء جدد!

***
يكمل الراديو عجائبه فيقول: مصر تعلن عن قلقها تجاه التدهور الحاد لحقوق الإنسان في تركيا وفض المظاهرات السلمية بأسلوب عنيف! عندما سمعت هذا الخبر نظرت إلى الراديو متعجبًا وسألته عن فض رابعة العدوية والنهضة، واعتقال المشاركين في مظاهرة مجلس الشورى، وقتل اثنين في تظاهرات معترضة على براءة مبارك، وفض مسيرة الاتحادية، واعتقال البنات، وقتل شيماء الصباغ وسندس، لكن الراديو لم يعطني إجابة واحدة وصفعني صفعة أخرى، قائلًا: وتُدين مصر اعتقال الصحافيين في تركيا (على حد علمي أن الصحافيين المعتقلين في مصر وصلوا إلى عشرات وأنا واحد منهم).. كيف لم يفكر النظام في تصريحاتة العبثية السخيفة؟!

يكمل الراديو: "كما أعلنت الحكومة المصرية تضامنها مع جريدة شارل ابدو". في نفس الوقت الذي أغلقت فيه صحفًا وجرائد عديدة، ومنعت بعض الإعلاميين من الظهور على الشاشات المصرية.

***
تنتهي النشرة دائمًا بذكر جهود الأمن في القضاء على الإرهاب، فالنظام الحالي يدّعي زورًا أنه يحارب الإرهاب، بينما الواقع يخبرنا بأن النظام الحالي هو الراعي الرسمي للإرهاب، فكم من شباب تم اعتقالهم عشوائيًا وسُجنوا مع أصحاب الفكر الداعشي في نفس الزنازين لفترات طويلة. فهل هناك بيئة صالحة لصناعة الإرهاب أكثر من تلك البيئة؟!

للتطرف عوامل مهمة منها "الفقر، والجهل، والظلم".. والنظام الحالي نجح نجاحًا مبهرًا في صناعة تلك العوامل الثلاثة بين قطاع كبير من الشباب، فكيف يحارب النظام صنيعته؟ أفلا تعقلون؟!
سجن أبو زعبل
يناير 2015

اقرأ أيضًا

عن الظلم والحلم.. وأشياء أخرى