‏إظهار الرسائل ذات التسميات بالأحمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بالأحمر. إظهار كافة الرسائل

سجناء يرتدون الميري 2

gettyimages

بالأحمر

الشاويش راضي


هو “راضي” فقط عندما تعطيه مما أعطاك أهلك، علبة سجائر، ورقة ب 5 جنيهات، وأكاد أجزم أن الـ 5 جنيهات كانت تفعل ما لا يتخيله عقل مع هذا الراضي، لكن مفعولها يدوم يومًا واحدًا وربما ساعات، ولكنه على أي حال كان موفرًا للغاية وليس جشعًا، 5 جنيهات أو علبة سجائر ترضيه جدًا، يناديك بعدها بأفخم الألقاب، وكفيلة بأن تجعل السجين يتضامن مع هذا السجان الذي تسحره 5 جنيهات فقط، أو علبة سجائر رديئة. ولكن هذا الشعور بالتضامن قد يتحول إلى غضب لا نهاية له، عندما تعلم أن راضي أبلغ رجال المباحث بأن في حوزتك راديو، أو هاتف محمول، أو  أنك تجلس مع فلان الفلاني أوقاتًا طويلة. كانت سياسته مع السجناء وإدارة السجن تشبه سياسة النظام الحالي، فالنظام يحاول إرضاء كل المتضادين، روسيا وأمريكا، السعودية وإيران، وهكذا، وراضي كان يحاول إرضاء السجناء من أجل السجائر، والإدارة من أجل المكافآت الشهرية.


الشاويش أيمن


كان فمه كبيرا جدا، يشبه فم الخليج، عندما يضحك تظهر أسنانه الضخمة التي تشعرك بأنه من مصاصي الدماء، شاربه ضخم ربما يصل إلى لسانه الذي يشبه لسان القرود، طويل طول باب الزنزانة.
الشاويش أيمن سخّر زنزانة صغيرة بها 5 مساجين ليخزن بها أشيائه التي هي أشيائنا، كان يبلطج علينا عندما دخلنا سجن أبو زعبل، وكان له قانون صريح “على كل زنزانة أن تعطه مما لديها حتى يفتح لنا الزنازين، كل طلب له ثمن، هكذاوبكل صراحة “.
كانت لدينا زجاجات “حاجة ساقعة”، اشتريناها من الكنتين لأنه كان فارغًا إلا من سواها، وكان لا بد أن نصرف تذاكر الشراء لأنها ستنتهي آخر الشهر.
دخلت “الدورة” وفتحت زجاجة الحاجة الساقعة وأفرغت فيها بعض الماء، ماء مني وليس من الصنبور؛ وكنا حينها في أوج الشتاء فكان الماء كثيرًا.
أعجبت الفكرة أحد السجناء، فدخل الدورة بعدي بزجاجة أخرى وفعل مثلي، وأغلقناهما بشكل جيد، وظللنا نضحك ونرقص وننتظر اللحظة التي يأتي فيها الشاويش أيمن؛ لحظة الانتقام؛ ولما وصل تبرعت أنا لأول مرة لأعطه زجاجتي، أعطيته واحدة في المرة الأولى وقلت:
– أحلى زجاجة حاجة ساقعة لأحلى شاويش أيمن في الدنيا.
نظر لي متعجبًا فكان لا يحبني لشعوره بأنني أتعالى عليه ولا أعطه من زيارتي أي شئ، فقلت:
– يا عم أيمن متزعلش مني بقى، خلاص احنا حبايب، طيب والله لا تاخد كمان واحدة، هات يا ابني كمان زجاجة حاجة ساقعة لأحلى شاويش في منطقة سجون أبو زعبل.
فشخ فمه وابتسم ابتسامة مصاصي الدماء، ونظر لي نظرة رضا.
ولا أدري هل اكتشف الشاويش أيمن أن الحاجة الساقعة كانت ممزوجة بالبول أم لا. ولكني كنت أتمنى ألا يكتشف ويشرب منها كما يشرب الظمآن في الصحراء.


الأمين مبروك
الشاويش مبروك، شاويش برتبة أمين شرطة، لذا له وضعه وسط الشاويشية، كما أنه وبلا فخر كان يدرس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة قسم التعليم المفتوح، حتى يحصل على شهادة جامعية ويصير ضابطًا، ورغم أنه مبروك لا يستطيع القراءة جيدًا، إلا أنه كان واثقًا من نجاحه في الكلية. ولما سألته عن سبب إصراره على التعليم في هذا العمر؟ فاجأني بأنه عندما يتخرج من الكلية، سيحق له أن يعلق نجمة، ويصير ضابطًا. كان يقولها وهو يتأمل نفسه يرتدي بذته وعليها نجمة الضباط.
في يوم  نظم زملائي الصحفيين وقفة على سلم نقابة الصحفيين، تطالب بالإفراج عن المصور الصحفي محمود أبو زيد شوكان، وعني، فنشرت جريدة الشروق خبر على الغلاف ووضعت صورتي وصورة شوكان.
كان مبروك يحب الشهرة جدًا، ويحب أن يخدم كل من يذكر اسمه في أي جرنال، فما بالك لو كانت صورته هي التي نشرت! كان عم محمود زميلي في الزنزانة يعلم ذلك جيدًا، فوجدته يخبر الشاويش أيمن بأن العالم في الخارج غاضب لأجلي وبأن الجرائد مقلوبة، كان يزودها جدًا، فأنا لم يذكر اسمي في الجرائد إلا في أخبار القضايا ومقالات الروائية أهداف سويف في جريدة الشروق.  لم يصدق مبروك أن صورتي في الجرنال إلا بعد أن رآها بنفسه، نظر للصورة ودقق فيها قليلًا، ثم نظر إليّ وقال:
= صحيح والنبي يا عم محمود، ده هو بجد!.
ومن وقتها بدأ يعاملني معاملة خاصة، حتى أنه كان يفتح لي باب الزنزانة ويقول لي “ما تخرج بره الزنزانة تشم هوا شوية” ، كما أنه لم يمانع من زيارتي لرفيق صبري في زنزانته، أو أن يأتي ياسين ليجلس معي في. أذكر أنني يومًا قلت له أريد أن يجلس معي ياسين قليلًا، فلم يتردد وذهب إلى زنزانة ياسين، وأيقظه من نومه:
– اصحى يا ياسين واغسل وشك بسرعة وتعالى عشان الأستاذ أحمد عايزك.
ياسين كان سيقتلني لأنه استيقظ من النوم مبكرًا ولكن عجبته الفكرة جدًا، وفي يوم تبدل حال مبروك، فعلمنا أن بريق الشهرة قد انطفى، وجاء عم محمود من جديد ليريه خبرًا على الصفحة الرئيسية في جريدة ديلي نيوز ايجبت  المحلية التي تصدر باللغة الانجليزية، وقال له أنها جريدة عالمية، ولم يصدق مبروك ما يراه وقال لي وهو يضحك وينبهر أكثر:
= ده بالانجليزي يا أستاذ أحمد، بالانجليزي صح؟
لم أرد ونظرت له متكبرًا فقال عم محمود:
– طبعًا بالانجليزي، وفي جرايد بلغات تانية كتير، بقول لك عالمي.
ومن وقتها لم يرفض مبروك لي أي طلب، وأعتقد أنه كان يريد توقيعي على بدلته الميري لينال شرف أن أحد الصحفيين الذين تنشر صورهم في الجرائد قد وقع له على البدلة، ولما حصلت على براءة كان مبروك قد أخذ مني وعد بأنني لن أنسى جدعنته ووقوفه بجانبي قد أخذ مني وعدا بأن أكتب قصته، لا أعلم ماذا كان يريد أن أكتب في قصته بالتحديد، ولكن  ها أنا أكتب، فهل سيقرأ؟!
***
ملحوظة: أسماء الشاويشية ليست حقيقية، وتم تبديلها بأسماء من الخيال حرصًا على سلامة من يتعاملون مع السجناء بشكل إنساني.

سجناء يرتدون الميري 1

getty images


     الشاويش مثلنا، يُعد من السجناء، نحن سجناء لأننا عملنا في الصحافة أو تظاهرنا أو أجرمنا، وهو سجين لأنه لم يجد سوى هذه المهنة التي تجبره على أن يعيش طوال عمره في السجن، لكن الشاويش دائمًا لديه خوف منّا، كلما يفتح باب الزنزانة يظل مترقبًا ومستعدًا لأي هجوم، يظهر الارتباك في عينيه، ولا يدخل الزنزانة مهما حدث.. وفي نقاش مع أحدهم قال لي "هل تظن أنكم فقط السجناء؟ نحن أيضًا سجناء، أنا ممنوع من التحدث في الهاتف مثلك، وممنوع من الخروج خارج السجن إلا في الأجازات، نحن سجناء يرتدون الميري، ولو حسبتها ستجد أننا قضينا أكثر من ثلث عمرنا في السجن، أما أنت وأمثالك ستترك السجن يومًا ما".

الجيزاوي
"سبت الموقع أنا والوزير، وأنا شايف الواد عمال يتنطط كده زي فرقع لوز، ببص ع الواد قلت الواد ده باين له مش هيجبها لبر، لقيته إيه بيطلع مدفع رشاش، رحت طالع للواد، قلت له اضرب يا ولا، اضرب يا ولا".. هذا المشهد من فيلم الواد محروس بتاع الوزير، هو المشهد الذي كان يمر بخيالي دائمًا عندما يتحدث هذا الكائن الجيزاوي الفريد من نوعه، فالجيزاوي أغبى شاويش خلقه الله على وجه الأرض؛ وفي ظني أنه لو وزع غباءه على العالم لعدنا إلى العصر الحجري، كان يتحدث يتكلم بنفس طريقة عادل إمام في فيلم "محروس بتاع الوزير" وإن كان محروس بتاع الوزير فقط، فكان الجيزاوي بتاع كل من يعطه الهدايا حتى لو كانت علبة سجائر كليوباترا.. عندما رأيته في المرة الأولى  وهو يتحدث أصبت بهيستريا ضحك لا ينته،  والحقيقة أن وجوده كان مهم ليهون علينا ملل الوقت الذي يمر كالسلحفاة، ولو علمت إدارة السجن قيمة  كائن الجيزاوي في فن الضحك لأبعدوه عن العنبر السياسي.
 نجح أحد السجناء في إقناع الجيزاوي أن شجرة الزقوم شيء طيب، وظل كلما يراه يقول:
= روح يا جيزاوي، ربنا يسقيك من شجرة الزقوم.
فكان الجيزاوي يفرح كلما سمع هذا الدعاء على سبيل أنها شجرة في الجنة مثلًا، أو شجرة تنتج علب سجائر "مارلبور".
 في يوم فتح الجيزاوي الزنزانة وحاول أن يبدو غاضبًا وقال:
 - مين الدموسة اللي مش متربي اللي بيقول يا جيزاوي حاف كيده، اسمها الشاويش جيزاوي.. خايفين تجولوا مين يا دحش انت وهو؟!
 ضحكت إلى حد البربرة، وضحك المساجين وأعتقد أني رأيت الجدران تشققت من فرط الضحك، احمر وجهه وقال بشكل كوميدي آخر يشبه الأراجوز:
- يمين 3 بالله العظيم لأوريكم أيام أسود من السواد نفسيته.
 ضحكنا مرة ثانية، فأغلق الباب بعصبية، فضحكنا أيضا، وضحك الباب؛ ثم قام عم محمود وفي يده علبة سجائر، ونادى عليه من دون لقب الشاويش، رجع الجيزاوي كطفل قد أخذ على خاطره وهو ينظر إلى علبة السجائر وكأنه ينتظر اللحظة التي تقع هذه العلبة في يده، وقال:
 - يعني ينفع أتهزأ كيده في زنزانتك يا عم محمود.
= افتح بس يا جيزاوي هقول لك حاجة.
فتح باب الزنزانة، ولم يفتح عقله أبدً، وأخذ علبة السجائر  التي كان لها مفعول سحري وغيرت من عصبيته المضحكة بشكل سريع وصار هادئًا إلى حد ما، ولكن هدوءه يجعلني أضحك أيضًا، ابتسم الجيزاوي وتناسى كل شئ، وقال بهدوء:
- انتم زي اخواتي وأنا مقدرش أزعل منيكم، بس متعملوش كيده تاني.
وهكذا ظلت حياة الجيزاوي طوال فترة السجن؛ يغضب، فنضحك، فيأخذ علبة سجائر فيعود لطيفًا.

كابتن سامي
جميعهم مرتشون إلا قليلًا، واحد منهم اسمه "سامي" ينادونه كابتن سامي، لم أقابل في حياتي شخص عفيف مثله، لا يأخذ أي رشوة من سجين؛ يؤدي عمله وكأنه عمل مقدس، ملتزم بشكل يدعوك للتعجب، كان يزعجنا لأننا نحب المرتشي، نعم نحب المرتشي الذي يحصل على السجائر ويترك لنا أبواب الزنزانة مفتوحة ساعة أخرى للتهوية لكنه يأمرنا بعدم الخروج من الزنزانة أبدًا، ونُفضل الشاويش المرتشي الذي يحصل على 3 علب سجائر فيترك باب الزنزانة مفتوح ويسمح لنا بالخروج على استحياء.
أما كابتن سامي، فكانت مواعيده دقيقة، يفتح الزنزانة من التاسعة صباحًا إلى العاشرة صباحًا، ولا يسمح لنا بالخروج من الرُّبع (طرقة تشبه طرقات العمائر تضم 3 زنازين، مغلقة بالقضبان عرضها لا يتخطى مترين، وطولها نحو 90 متر) في أثناء هذه الفترة، وهو الشيء الذي جعله مكروه من الجميع، السجناء كرهوه لأنه يغلق عليهم، والشاويشية يكرهونه لأنه ليس مرتشي مثلهم.
  لكني كنت أحترمه جدًا، وكان يبادلني الاحترام. أذكر أنني حاولت إعطاءه  قطعة لحم جائتني ضمن الزيارة؛ فرفض بشكل عجيب؛ سألته:
- لماذا ترفض؟
= حتى لا يظن أحدًا أن له عليّ فضل، فيطلب مني ما لا تسمح به القوانين.
أقسمت أنها ليست لغرض سوى المحبة؛ فأخذها مبتسما وقال:
= لأنك أقسمت فقط.

محمد رمضان
يشبه كابتن سامي في عدم حصوله على رشاوي من أحد، لكنه مرح دائما، ويحب السجناء السياسيين ويستجب لطلباتهم من دون مقابل، فكان السجناء يحبونه جدًا، والشاويشية كذلك نظرًا لخفة ظله.
لاحظت أنه يستجيب أكثر  للسجناء الذين لا يشعرونه بأنه "شاويش" وأنه مثلهم ولا يقل عنهم شيئَا،كان يكره كلمة "شاويش" يحب أن يناديه الناس هكذا "يا محماااا يا رمضان"،  كان يحب الشعور بأن السجناء السياسيين أصدقائه لأنهم "متعلمين وولاد ناس" كما كان يقول، وكان يكره الإخوان جدًا، ولكنه كان يحبهم من الناحية الأخلاقية، يرى أنهم محترمين ومتدينين، لكنهم أغبية وما ينفعوش يحكموا البلد.
كما أنه لم يخشَ دخول أي زنزانة بل كان يجلس معنا على البُرش ويأكل معنا، نظرًا لأنه لم يؤذِ أي مخلوق.
أذكر أنني كنت في التأديب يومًا وحاول رمضان تهريب مصحف لي، وفي التأديب ممنوع دخول أي شيء، حتى المصاحف، والأحذية، ونجح في ذلك، وبعيدًا عن أنني لم أستطع القراءة من المصحف نظرًا للظلام الدامس في زنزانة التأديب، إلا أنني قدّرت له ذلك جدًا، لو علمت إدارة السجن أنه فعل ذلك سيعاقب. لم أتوقع أن يعرّض شاويش نفسه للعقاب من أجل سجين، وخاصة هنا في أرض الظلم "مصر".



كبسولة حمراء وشخشيخة !

gettyimages.com


الشخشيخة

عندما سمعت هذا الكلمة لحظة دخولي السجن، شعرت بأنهم سيجعلونا نفرغ ما في بطوننا بشكل جماعي "شخ.. شيخة" هكذا خُيّل لي، سمعت الكلمة بعد التشريفة، ووجدت جسدي يستعد لما هو آت.
= ودوهم الشخشيخااااااااااااااااااة.. هكذا قال أحد الضباط غاضبًا، وكأنه يقول "اغتصبوهم".  وكان صوته عاليًا كصوت حشرة "السيكادا الإفريقية" الأعلى صوتا بين حيوانات العالم. والتي قد تؤدي إلى جروح في طبلة الأذن لو سمعها الإنسان من مسافة قريبة.
    شعر جسمي حينها بالبرد وأفرزت هرومانات الخوف التي اشتمها المخبر، وذهلت مما سيحدث.لكني اكتشفت في النهاية أن الشخشيخة ليست إلا  "حوش" صغير ،مغلق بالقضبان من الأعلى ومن كل جانب.
لو كنت في عهد "مبارك" كان يجب علىّ أن أرتعد من هذه الشخيشخة، فقد أخبرني أحد الجهاديين الذي قابلتهم عنها، وقد سجن في هذا السجن من قبل:
= لقد تم تصميمها بهذا الشكل من أن أجل أن يخرج السجناء من زنازينهم في الطوابق العليا ويستطيعون رؤية الشخشيخة بشكل كامل.
- هذا جيد يا شيخ، أمر طيب، فلنعتبرها تهوية!
= أنت الطيب، لم يفعلوها للتهوية، هذه الشخيخة كان في منتصفها "عروسة" ظلت حتى عهد مبارك، هذه العروسة يصلب عليها السجين ويُجلد عقابًا على أتفه الأمور، يحدث هذا بعد أن يخرج كل السجناء من زنازنيهم ليشاهدوا ما يحدث للسجين وليتعظوا. "شخ.. شيخة". على كل حال تحولت الشخيخة فيما بعد إلا مكان لانتظار المساجين عند ترحيلهم للمحاكمة، أو لانتظار زيارة ذويهم. وكانت الشخيخة حلم السجناء، كان يدفع بعضهم السجائر للشاويش من أجل أن يتمشى بها مع سجناء الانتظار، لأنها واسعة إلى حد ما.

كبسولة حمرا

 كان يومًا شاقًا، وكانت هذه جلسة التجديد الأولى في معهد أمناء الشرطة، استيقظنا في السابعة صباحًا، وركبنا سيارة الترحيلات في التاسعة، ووصلنا إلى أكاديمية الشرطة حيث مكان المحاكمة الذي لن نتمكن فيه من رؤية ذوينا أو أصدقائنا في الحادية عشر صباحًا.
 وضعونا في القفص مُكبلين بالحديد، وانتظرنا سيادة القاضي الذي وصل في الخامسة مساءً، ولم يجلس سوى دقيقتين فقط، لم يستمع إلى أي مرافعة، ولكنه اكتفى بالنظر إلى بعض الأوراق، وأمر بتجديد حبسنا، فغضب الطلاب الذين كانوا يريدون الدفاع عن أنفسهم وصاحوا بأعلى أصواتهم. فنظر لهم القاضي لا مباليًا وترك المنصة وذهب.
  أخلت قوات الأمن القاعة فورًا من المحاميين، ووضعونا في سيارة الترحيلات نحو ساعة ونصف تقريبًا، من دون تحرك، ودعني أخبرك أن 5 دقائق في سيارة الترحيلات كفيلة بأن تُشعرك بأنك في هذه السيارة اللعينة منذ مائة عام. عدنا إلى سجن  أبو زعبل في التاسعة ليلًا، عدنا وكأننا موتى لا نقدر على التنفس بصعوبة، سيارة الترحيلات تشبه مقبرة متحركة، وقفص المحاكمة يشبه مقبرة زجاجية، وكلابشات حديدة طوال هذه الفترة لا يتحملها حيوان شرس، لا هواء في قفص المحاكمة، ولا حياة في سيارة الترحيلات، ولم نأكل أي طعام منذ الصباح.

 وقفنا في مدخل السجن نحو ساعة أخرى كإجراء روتيني يحدث بعد كل جلسة محاكمة، وبعدها يتم تفتيشنا كي لا ندخل بممنوعات.. بعد انتهاء التفيتش استقبلنا رجل يرتدي ترنج رياضي، ونظارة تشبه "قعر كباية الشاي" وسألنا:
= حد تعبان.
أجبنا جميعًا بالإيجاب إلا قليلًا، فتعصب وقال:
= احنا ناقصينكم على آخر الليل، عايزين ننام.
لم أفهم حينها، من هذا الكائن الذي يرتدي قعر كباية؛ هل هو سجين جنائي؟! أم أنه كان يلعب كرة القدم في فريق طلائع الجيش، فقرروا حبسه في سجن أبو زعبل عقابًا على الخسارة بهذا الترنج الرياضي؟!
جلس على كرسي خشبي، وأمامه مكتب في ساحة الشخيخة، وأمرنا أن نمر عليه واحدًا تلو الآخر، ولما جاء دوري حدث الآتي:
= بتشتكي من إيه، خلّص؟
- جالي برد وسخونية وبطني فيها شوية مغص والصداع هيفرتك دماغي والكحة مبترحمش.
ترك كل هذا وسألني:
= كحة ببلغم ولا ناشفة؟
- ناشفة؟ آه ناشفة بس مش أوي، بس هو إحنا هندخل للدكتور إمتى؟
= انت هتستعبط يا ابني؟ ما أنا قدامك أهو؟
نظرت للترنج ولنظارته ورفعت حاجبي:
- أنا آسف يا دكتور مخدتش بالي والله كنت فاكرك الـ…
= الإيه بقى إن شاء الله.
- ولا حاجة، بس أنا تعبان شوية.
نظر الطبيب الذي أشك في كونه طبيب يمينًا ويسارًا، وفتح كيس أسود ، والحقيقة أنني لا أحب الأكياس السوداء لإنني أخذت عنها انطباعًا ورثه لي أمي، بأن الأكياس السوداء مخصصة للزبالة، أفرغ الكيس الأسود على المكتب، وكان به كبسولات مقطعة بالمقص، ذكرتني بصيدلية في الأرياف تبيع الأدوية بالكبسولة الواحدة، وقال:
= انت هتقف تتفرج عليا؟ دور معايا ع الكبسولة الحمرا، عايز أنام بقى خلوا عندكم دم.
لم أرد، وعثر على الكبسولة الحمراء وقلت:
- اتفضل يا دكتور، الكبسولة الحمراء.
= خدها قبل ما تنام.
- أنا؟
= أمال أمي.
- مش قصدي بس بقول حضرتك هموت من التعب، تديني كبسولة حمرا؟
= أيوة يا أخويا كبسولة حمرا، تاخد واحدة زرقا، لو اللون مش عاجبك؟!
يبدو أنه يحاول أن يصير خفيف الدم منذ ولدته أمه، ولا يدري بأنه أسخف من الخليل كوميدي.
- لا مش قصدي اللون حضرتك، بس أنا كنت عايز أعرف…
=  عايز تعرف؟! انت فاكر نفسك في مستشفى خاصة ولا إيه يا حبيبي؟ إنت في أبو زعبل، مفيش حاجة اسمها تعرف هنا.
- شكرًا يا أسطه، قصدي يا دكتور.


مؤخرات عظيمة

AFP 


كنت نائمًا كالموتى، فأيقظني "عصام"؛ وكان يحب أن يخبرني بكل شيء  يدعوه للتعجب في هذا السجن اللعين؛ بدأ الحديث من دون مراعاة لكوني نائمًا أو ميتًا:
= جاءني سجين جنائي، وقال أنه من طرف عمّ محمود.
- ما المبهر في هذا؟
= دخل حمام الزنزانة، ووضع يده في مؤخرته.
- أرجوك لا تقل أنه كان يريدك أن..
= لا، ياسيدي، وضع يده في مؤخرته وأخرج شيئًا مغلّف بكيس بلاستيكي، وقال خذ.
- صباح القرف، وأخذت؟ّ!
ضحك عصام وقال:
= نعم أخذت؛ تخيل ما الذي أخذته في الكيس؟
- انجز، أريد النوم.
= موبايل.
انبهرت فعلًا، واعتدلت في جلستي، إن فكرة أن يحمل أحدهم هاتفه في مؤخرته، فكرة مبهرة، خصوصا لنا نحن الذين لا نتحمل وضع اللبوس في وقت المرض.
أكمل عصام: لما عرفت أنه موبايل، فرحت به جدا، وتجاهلت رائحة الخراء، بل وتجاهلت الخراء نفسه، والذي كان واضحًا على الغلاف.
  ظننت أن الأمر قد انتهى، وأن عصام قال ما دعاه للتعجب وانتهى، ولكنه أكمل حديثه:
- أخذت الهاتف المحمول لأحاول إخفاءه، لكن السجين ناداني:- "انتظر يا زميلي".
- لا تقل أنه كان يريدك، أرجوك.
= يا عمي قلت لأ، أخرج الشاحن بنفس الطريقة ومن نفس المكان!
رغم اعتقادي بأن عصام لديه خيال واسع، وإيماني بأنه لا يمكن لأي مؤخرة في التاريخ أن تتحمل كل هذا، إلا أنه بعد مرور أيام بدأت أصدق القصة، نظرًا لما رأيته من أعاجيب داخل هذا المكان، السجن يحمل بين جدرانه آلاف القصص العجيبة!

***

    عم محمود، رجل أعمال، قبض عليه لأنه يحمل اسمًا شبيهًا لأحد الجناة، ولما بذل مجهودا في إثبات أنه الشخص الخاطئ؛ قالوا له "لا تتعب نفسك، ولا تزعل روحك" وبدلوا الاسم في أوراق القضية وكتبوا اسمه.
  كان برفقته كان برفقته سجين جنائي، ولكنه سجن مع السياسين لكونه متهمًا في حرق قسم التبين، يُدعى "بربئ" كان جميع الشاويشية والمخبرين والسجناء الجنائيين يخشونه، وكان سندًا لعم  محمود، ولنا.
     جاء "بربئ" يومًا بصحبة أحد الجنائين، وكان لا يمكن أن نرى ملامح وجه هذا الجنائي من كثافة الجروح الطولية التي ملأت وجهه، وهو أسلوب عراك يطلق عليه السجناء "الجرّار"، والجرار عبارة عن حذاء ومثبت في أسفله شفرات عديدة بجوار بعضها، ولما تصيب أحدهم لا يمكن خياطتها نظرًا لقرب الجروح من بعضها.
قدم "بربئ" الجنائي لعم محمود:
- حسن، ولد جدع، من عنبر الجنائيين، وأمين، ولا يمكن أن يبوح بأسرارنا لمخلوق.
 سأله عم محمود:
- هل تستطيع رفع تليفون كبير يا حسن؟ أقصد تليفون يدعم الإنترنت؟
= تصدق بالله يا عم "محمووووأ".
- لا إله إلا الله.
= عليّ الطلاق، أنا على استعداد تام لأن أرفع هذه الحقيبة.
   وأشار إلى حقيبة ملابس تخص عم محمود، وهي حقيبة كبيرة جدًا. هنا تدخل "بربئ":
- لا يا .. أمك، لا نريد أن تجعل رائحة الحقيبة كريهة كوجهك، نحن نريد الهاتف.
= تحت أمرك يا كبير.
سأله عم محمود للتأكيد:
-  يعني مالي مؤخرتك؟ (لم يقل مؤخرتك، قالها بالعامية).
وأكد السجين على عم محمود أنه "ماليها".
***
وضع "بربئ" بعض قطرات الصابون في إناء كنت أحضّر فيه وجبة "الإندومي" الساخنة التي أحببتها في الشتاء، وكان يمرر بعض الأموال في الإناء، ثم يضعها في مكان جاف. سألته:
- ماذا تفعل؟
= خد شم يا أبو حميد.
أخذت الأموال التي لم تمر على مسحوق الصابون بعد، ووضعتها بالقرب من أنفي؛ فشممت رائحة الخراء تنبعث وكأنها رائحة مركزة صنعت خصيصًا كي تترك أثرًا سيئًا في النفوس نحو 20 عام. ضحك بربئ، وكان رجلًا خفيف الظل جدًا، ولكني كرهته حينها خاصة عندما قال بكل بساطة
= هذه الأموال كانت مخزنة في مؤخرة عمك "بريعة"!
صرخت، ورميت الأموال على الأرض، وانتظرت أن تأتي المياه، ولكنها لا تأتي في مثل هذه المواقف، ولما جاءت بعد صبر طويل بقيت تحتها نحو ساعتين، وكان الجو باردًا جدًا، وفي أثناء نومي حلمت بأنني وقعت في خرارة الحمام.
***
أجريت أول مكالمة هاتفية لي من داخل السجن؛ كان الهاتف قد خرج طازجا، من مؤخرة السجين الجنائي لأذني مباشرةً. وضعت الهاتف على أذني من دون اكتراث لمصدره، فكنت قد نسيت شكل الهاتف. وهو هاتف صغير صيني الصنع، ويبدو من صغر حجمه أن الصين قد صنعته خصيصًا ليوضع في مؤخرات سجناء مصر، كل شيء محسوب في الصين صدقوني. أجريت مكالمة تخطت دقيقتين، مقابل علبتين سجائر، تحدثت مع أمي؛ بكيت بعدها، حزنا على فراق أمي، وبكيت من رائحة الخراء.

***
 في سجون دول تحترم الإنسانية لا يضطر السجناء لوضع الهواتف في مؤخراتهم، فقد قرأت "التجربة النرويجية" لـ بلال فضل والتي قال فيها "تصنف 36% من سجون النرويج على أنها منخفضة الأمن، حيث يسمح للسجناء بعدد غير محدود من المكالمات الهاتفية دون حاجة إلى أن يخبئوا شرائح المحمول في أماكن حساسة، بل تسمح لهم بإجازة أربعة أيام شهريا، لحثهم على السلوك الحسن خارج السجن".